يجب أن تظل ثابتة، هي هي لا تتبدل ولا تتغير، الاحتلال لا يدحر إلاّ بالجهاد، ويجب في السياسات والأساليب أن تكون خارجة من رحم هذه الاستراتيجية ومنسجمة معها تمام الانسجام.
لعل التداخلات التي انطوى عليها مفهوم الجهاد في حقل التطبيق، وأنه مضمون يمكن ممارسته في أكثر من شكل، أو بالأحرى على أكثر من جبهة، قد دفعت بالبعض إلى البحث عن فضاءات جديدة للمفهوم، تبتعد عن الشكل القتالي إلى الممارسة السلمية التي لا تخرج عن إطار"القانونية"، وهو ما سمي مؤخرا بـ"الجهاد المدني".
طبعا أريد هنا أن أقف كثيرا عند مسألة التسمية هذه، وهل كل الممارسات السلمية التي لا تخرج عن إطار القانونية صالحة لأن تسمى جهادا أم لا؟ لا أريد أن أقف طويلا عن هذا لأن ارتباط الدلالة الأصلية لمفهوم الجهاد بالحرب أمر معروف، فإذا كانت الحرب هي أوسع من أن تنحصر في الجبهة العسكرية، فهناك الجبهة الإعلامية و .. إلخ، فإن هذا لا يعني أنها تتسع للفعل الخارج عن دائرة المشاركة في الحرب. فالعمل الإعلامي مثلًا يمكن أن يكون جهادا ويمكن أن يكون دعوة ويمكن أن يكون غيرهما، على حسب السياق الذي ينتظم فيه، فإذا كان جزءا من المجهود الحربي فهو جهاد، وإلاّ فمحاولة إدخاله في الدلالة الأصلية للجهاد فيها نوع من التكلف، إذ يصعب جدا أن نسمي الظهور على شاشة التلفاز لإلقاء موعظة في فضل زيارة الأقارب جهادا بالمعنى الأصلي لكلمة جهاد.
المهم، لا نريد أن نتتبع كل أنواع الفعل في الممارسات السلمية لنحكم عليها هل هي جهاد أم لا، وهل تبرأ بها الذمة أم لا، فهذا عمل فقهي ليس من مقاصد هذا المقال، المقصود هنا هو الإشادة بأن المقاومة السلمية في مجملها لها أثرها الإيجابي في ساحة الصراع العام مع الأعداء، فالفعل الاحتجاجي باستنكار الاحتلال والتظاهر ضده وفضح مخططاته .. وإلخ، يعطي لخط الجهاد شرعية معنوية على المستوى الرمزي، مما يزيد من الرصيد السياسي للحركة المجاهدة، ويقوي مواقعها كحركة تحررية تدافع عن هوية الأمة وتعمل على تخليصها من سلطة الاحتلال الجاثم على صدرها.
على أن فاعلية هذه الاحتجاجية السلمية وفعاليتها تتطلب الارتفاع بها عن مجرد الممارسة التي تهدف إلى تفريغ شحنات الغضب عند الناس، لأنها بذلك تصبح أداة للتنفيس أكثر مما هي أداة للتوعية الجماهيرية والضغط على