الجواب عن هذا السؤال من خلال الوحي لا يحتاج إلى عناء كبير، فقد كان القرآن واضحا إلى أبعد الحدود في ربط قضية تحرير الشعوب من الأنظمة الطاغوتية باستراتيجية الجهاد، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] ، فغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة، سواء كانت قوة التهديد والأذى الفعلي، كانت قوة الوضع الذي يعيشون فيه، من إحلال النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير الإسلامية. لأن وضعا كهذا هو بالنسبة للمسلمين وضع احتلال، يستوجب الجهاد، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء:75] .
هكذا هي واقعية الرؤية التغييرية في التصور الإسلامي، يجب مواجهة الاحتلال بوسائل مكافئة لوجوده، فالاحتلال ليس فكرة نظرية يمكن أن دحرها بفكرة نظرية أصح منها، الاحتلال معناه سلطة تتخذ كافة الوسائل المادية لبقائها في الحكم، فهل من المنطق أن نتصور إمكانية دحرها بمجرد البراعة الخطابية وقوة البيان الفكري؟
إن إزالة الأنظمة المحتلة، وتحرير الشعوب من سلطانها المادي،"لا يتم بمجرد البيان والتبليغ، لأن المتسلطين على رقاب العباد، والمغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد البيان والتبليغ، وإلاّ فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض، وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال" [1] .
وإذا كان لابد من البيان والتبليغ (الدعوة) لمواجهة فسق المجتمعات المقهورة، فإنه لابد كذلك من الجهاد لمواجهة كفر الأنظمة المحمي بالسلطان المادي، فهما معا (الدعوة والجهاد) ضروريان لإصلاح الوضع القائم، فكل واحد منها يعد وسيلة مكافئة لما يواجه به، الدعوة للمجتمع، والجهاد للأنظمة الطاغوتية، وكما يقول ابن تيمية:"قوام الدين بالمصحف والسيف، كتاب يهدي وسيف ينصر" [2] .
نعم قد تختلف سياسات العمل، تبعا لاختلاف المعطيات، فالاحتلال الأجنبي لا يمكن أن يواجه بنفس السياسة التي يوجه بها الاحتلال بالوكالة، وقد تتنوع أساليب الممارسة تبعا لتنوع الظروف، ولكن الاستراتيجية
(1) - سيد قطب:"معالم في الطريق".
(2) - السياسة الشرعية.