فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 70

الاحتلال والتحرير

قراءة في المفاهيم

سيف الدين الأنصاري

كما كان منتظرا، في النهاية وقعت الحرب على العراق، وقعت ولم ينفع في تفاديها أو إيقافها لا القيم الديموقراطية ولا حتى القرارات الدولية، والسبب - ببساطة - هو أن دولة قوية مثل أمريكا صممت على ذلك، وعندما تصمم الدول القوية على فعل شيء من منطلق رؤيتها ومصالحها الذاتية فإن الوثيقة الخفية التي تضبط دور المؤسسات الدولية والقيم الديموقراطية تدعو إلى التبرير والمساعدة، أو على الأقل البقاء بعيدا عن دائرة المعارضة المؤثرة، فهذه القيم والمؤسسات ما هي - في حقيقة الأمر - إلاّ أدوات وآليات تستعين بها الأنظمة الطاغوتية على"شرعنة"مواقفها الاستعمارية، وتوظفها لتسهيل عملية الاستحواذ على مقدرات الشعوب وخيرات بلدانها.

ولن تعدم الأنظمة الطاغوتية شعارا جميلا أو عنوانا براقا تموّه به عن أهدافها الخبيثة، وتروج به لمشاريعها الاستعمارية، فتلك مهمة باتت سهلة في عالمنا المعاصر، إذ يكفي أن تُسخر الأداة الإعلامية في هذا الاتجاه، ليجد الناس أنفسهم أمام وابل من قذائف الصوت والصورة التي تعمل بكل قوة على اختراق بنائهم الفكري والنفسي، في محاولة لتوهين الحصن من الداخل، حتى إذا تم ذلك واحتُل الإنسان سهل بعده على القوات الغازية احتلال الأرض.

في الإعلام تسمى الحملة الصليبية على العراق تحريرًا، ويسمى الاحتلال إعادةَ إعمار، ويسمى الجهاد إرهابًا، ويسمى الارتباط بالإسلام تطرفا ... إلى آخر تلك العملية التضليلية التي يراد منها ضرب البنية الفكرية للمسلمين، عن طريق التأثير في اللبنات المؤسسة للتصور (المفاهيم) ، إما بالطعن فيها وتشويه صورتها، وإما بتحريف دلالاتها وصرفها عن المعنى الأصيل إلى المعنى الدخيل، حتى إذا تكررت العملية بأساليب متنوعة ومن جهات متعددة، أدت في النهاية إلى ما يشبه غسيل الدماغ للشخصية الإسلامية، فتصبح كأنها هيكل فارغ من المضمون، أي بلا هوية، وعندها لا غرابة من وجود القابلية للاحتلال لأن الفراغ لابد أن يملأ.

إن احتلال العراق بما يحمل من الدلالات المأساوية على حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها يجب أن يشكل الحدثَ الذي يهز المخزون الفكري للمسلمين، لتسقط بفعل هذا الهز الآراء الدخيلة على منظومتنا الفكرية، فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تنقية المفاهيم التي تشكل وعينا الإسلامي، لتخلص من الشوائب التي علِقت بها بفعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت