تراكمات الغزو الفكري وإفرازات نفسية الوهن، فالكدر المفاهيمي لا يُنتج إلاّ الضبابية في الرؤية والحيرة في التوصيف والارتباك في المواقف، وكلها عوائق ذاتية تحتاج منا إلى إيثارها عند توزيع حصص المعالجة، لأن العوائق الذاتية هي أساس المشكلة في صراعنا مع الأعداء، قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] .
من هنا لم أشأ أن أتوسع في فلسفة النوايا الأمريكية ولا أن أتتبع الشعارات التي ترفعها في حملتها الصليبية على أمتنا الإسلامية، أولًا لأنني أعتقد أن حقيقة هذه النوايا والشعارات قد أصبحت مكشوفة للجميع، وثانيًا لأن الاستغراق في هذه العملية ربما يتيح للبعض مادة"للهو الثقافي"، ينشغل بها عن مباشرة استحقاقات المرحلة وما تفرضه علينا من البحث الجاد عن كيفية الانتقال من الواقع (الاحتلال) إلى الأمل (التحرر) ، بعيدا عن أجواء الترف الفكري الذي يستنزف الطاقة في مجرد عملية التنقيب عن دوافع الفعل عند الآخر، وكأن"اكتشاف"هذه الدوافع هو غاية المقاصد ومنتهى الآمال.
لقد عجّت وسائل الإعلام طيلة الفترة الماضية بالتحليلات التي تبين طبيعة الدوافع ونوعية الأهداف المحركة للعدو، والمتحكمة في مواقفه اتجاه القضايا الإسلامية عامة، وقضية المنطقة العربية على وجه الخصوص، ولكن لأنها لم تكن تحمل في داخلها عوامل التحريك نحو العمل المطلوب، إذ كانت تحليلات باردة تفتقر إلى حرارة التفاعل الشعوري مع الموضوع، وجوفاء لا تحمل روح المسؤولية اتجاه القضية المتناوَلة، فإنها لم تخرج عن دائرة الرصد السلبي للحدث، حيث غرقت في بحر النوايا الأمريكية وتاهت في صحراء معاييرها المزدوجة، ولذلك سرعان ما أصبحت تلك التحليلات المتقاطرة من هنا وهناك أداة لإضاعة الوقت في سوق الظنون المتضاربة، أو ربما مادة للإرباك الفكري الذي يُفقد المرء القدرة على اتخاذ المواقف الحازمة والقرارات الشجاعة.
باختصار، نحن اليوم في أمس الحاجة إلى قراءةِ قضايانا الأساسية - ومنها قضية الاحتلال والتحرير - من خلال تفكير إسلامي عملي يرتفع عن الانحسار في دائرة الأجواء النظرية، بحيث يجعل من رصد الأحداث مقدمة لتحديد الموقف المطلوب اتجاهها، إذ ليس الهدف هو تقديم تقرير إخباري عن الواقع، وإنما الهدف تغييرُ هذا الواقع المعيش بالواقع الأمل، ومن ثم كان لزاما على الفكر - وهو أداة التوجيه - أن يؤدي دوره في صناعة الفعل، وإلاّ فإنه يفقد الصدق في المعالجة. وأن يستعين على إتقان هذا الدور باستجماع مواصفات التفكير السُنَني، لأن ارتفاع سقف الأهداف يستدعي الرفع من نوعية الأداء. وهذا ما نود الوصول إليه من خلال المحاور الثلاثة للمقال.
أطرح هذا السؤال الآن لأنني أعتقد أن الجواب الصحيح عنه يَدخل في بنية التصور المؤسس للوعي بالحالة، وهو أمر يحمل على الأقل فائدتين اثنتين، أولاهما أخذ العبرة الصحيحة من الحدث والاستفادة الجيدة من الماضي،