فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 70

رجاله وأحزابه وطروحاته. لكن الحاصل أن الشعب العراقي بعد انهيار النظام السياسي القائم التجأ إلى المؤسسة السياسية التي يعرفها منذ 14 قرنا: المسجد لأهل السنة والمشهد للشيعة. لذلك برزت الشعارات السياسية من الوهلة الأولى تطالب بقيام دولة إسلامية، وهو ما أربك بشدة حسابات الصليبيين. كان شيعة العراق نوعا ما أكثر استعدادا لفترة ما بعد الاحتلال، فإيران التي تراقب الوضع العراقي عن كثب أمدتهم بالدعم والتوجيهات، لهذا السبب نظم الشيعة المظاهرات الحاشدة ضد القوات الغازية في الأيام الأولى للاحتلال بشكل لم يترك للأمريكيين فرصة التقاط الأنفاس، كما سيطروا بشكل خاطف على بعض المواقع الحيوية لرفع أسهمهم السياسية. لكن ومع ذلك فقد ظهرت خلافات حادة بين قادة الشيعة (السيستاني - محمد باقر الحكيم - مقتدي الصدر) ، ولا يعلم كيف ستتطور هذه الخلافات و لصالح من (إيران أو أمريكا) ستصب في الأخير. من جهتهم لعب أئمة المساجد السُنِّيون دورا في ضبط الوضع الأمني والحد من الفوضى التي استشرت، كما نظموا حماية الأحياء السكنية من عبث اللصوص وإعادة المسروقات إلى أصحابها، إضافة إلى توفير بعض الخدمات الصحية. وإذا كان أهل السُنَّة أقل تنظيما على المستوى الوطني، فإنهم رغم ذلك سارعوا إلى تنظيم مسيرات حاشدة في بغداد والموصل والفلوجة، لكن نظرا لعدم تنظيمهم الجيد وعدم وجود دولة تتبنى قضية أهل السُنَّة، فإن الجيش الصليبي المحتل قَمَعَ قيادات السُنَّة، ودنس باقتحامه المساجد المطهرة مرارا وتكرارا، كما فتح النار على المتظاهرين السُنَّة العُزَّل في أكثر من مناسبة مما خلف عشرات الشهداء.

إذن المفاجأة الثانية للغزاة هي أن الفراغ السياسي التام لم يحصل، كما أن الكرزايات التي هيأتهم أمريكا لحكم الشعب العراقي لم يحصدوا إلى الآن سوى الفشل. فعبد المجيد الخوئي الذي راهنت عليه بريطانيا وأمريكا قُتِلَ في غضون أيام من دخوله العراق، أما أحمد شلبي والذي دخل العراق رفقة 600 من رجاله، فإنه يواجه صعوبات جمة في فرض زعامته على العراقيين، بل وحتى في فرض شخصه على الإدارة الأمريكية التي قدم لها الخدمات الجليلة، فقد وردت أنباء [1] عن استنجاده بمؤسسة للعلاقات العامة ( Burson-Marsteller) وإنفاقه الأموال الطائلة في مسعى لتحسين صورته أمام الأمريكيين. كما أنه استعدى المحيط الإقليمي الصديق لأمريكا (الأردن - السعودية) بعد أن سلبت قواته أرشيف المخابرات العراقية في محاولة منه لكسب الامتياز على خصومه، لكنه ضيع هذا الامتياز بانتقاده العلني للأنظمة المحيطة بالعراق، وتهديده بنشر حقائق مزعومة حول علاقة هذه الأنظمة بنظام صدام، مما قلص أكثر من هامش مناورته.

أما المفاجأة الثالثة للمراقبين داخل وخارج العراق هي أن الاستعمار الأمريكي يخبط خبط عشواء، وتبين جليا أن تصورات الاحتلال إنما بُنِيَتْ على معطيات خاطئة، وقد أقر الجنرال المتصهين جارنر بنفسه بهذه الحقيقة حين قال أنه كان يتوقع استسلام الجيش العراقي بكامله، ليستعمل جارنر 100000 جندي وضابط مستسلم لمهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت