الدين هو الرابط الأول بين الناس، وهو الاعتبار الأول في تحديد الجنسية. أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن إلاّ بقدر سيادة الدين عليها! ومن ثم لا جنسية للمسلم إلاّ عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة الممتدة بامتداد العالم الإسلامي، والتي لا فرق فيها بين العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس مادام الجميع تحت راية الإسلام.
على هذا الأساس اشترط العلماء وصف الإسلام في النظام الحاكم، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين"عقيدة النظام"التي يشترط أن تكون إسلامية، و"المقصود بالعقيدة الإسلامية في هذا المقام العقيدة بالمعنى الأشمل الذي يطلق على الإسلام باعتباره دينا وبوصفه عقيدة وشريعة" [1] ، بل إن"العقيدة بهذا المضمون هي جوهر الوجود المعنوي ليس فقط للنموذج الإسلامي لنظام الحكم، بل للجسد الإسلامي بجميع عناصره، فهي هوية النظام وجنسية الفرد ومصدر الولاء والانتماء" [2] .
ومن هنا فإن الحكومات غير المسلمة تعتبر حكومات أجنبية بالنسبة للمسلمين، حتى وإن كانت من أبناء البلد، لأنها لا تحمل الجنسية الإسلامية، ولذلك لا يجوز أن تبسط سلطانها على المسلمين، ولا أن نسلم بولايتها علينا، لأنها ليست منا، والقرآن يقول {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] ، ومسألة الانتماء في التصور الإسلامي تابعة للولاء الديني، وليس لرابطة الأرض قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ... حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] ، ولا حتى لرابطة الدم قال: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود:46] خلاصة الكلام إذن، أن هذه الحكومات التي تسيطر الآن على بلاد المسلمين هي حكومات احتلال من المنظور الإسلامي، لأنها لا تملك جنسية المجتمع، فقد فقدتها بفعل الدخول إلى الردة من أبوابها المختلفة .. التشريع من دون الله، والحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة الكافرين من يهود وصليبيين .. إلخ، [3] .
وليس من منهج الله أن نعمل على تخليص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي، لنضعها في يد طاغوت عربي، لمجرد أنه من أبناء البلد، فالطاغوت كله طاغوت، بل ليس من العقل أن نتعب لنحرر بلاد المسلمين من الاحتلال الأجنبي لنضعها في يد الاحتلال الداخلي، فالاحتلال كله احتلال. ومن الأفضل لنا أن
(1) - فوزي خليل. دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم [ص 37] .
(2) - فوزي خليل. دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم [ص 37] .
(3) - أنظر مناطات كفر هذه الحكومات في كتاب الجامع للدكتور عبد القادر بن عبد العزيز.