يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (هود: 46) .
إن هذه السياسة دفعت ببعض الحركات الإسلامية إلى التقوقع حول ذاتها، والبحث عن مصالحها الضيقة، بل والوقوع في التناقض بين انتمائها للإسلام وانتمائها للأرض، وبين الوقوف مع الأمة ونصرتها والوقوف مع أنظمتها العميلة، وأيهم الأولى والأهم لها إذا افترضنا جدلا تعارضهما، والجواب طبعا هو وقوفها العملي في صف الحكام وليس الأرض على حساب هويتها الإسلامية، والسبب يعود إلى بعدها الكبير عن المرجعية الإسلامية (كتاب وسنة) في سلوكها السياسي العام، لأنها لو طبقت الدين فإنها لن تقع بتاتا في التناقض، وسوف تقف مع الدين والأرض معا.
إن خضوع الحركات الإسلامية للقبلية السياسية/سايكس بيكو حولها إلى أداة في استراتيجية العدو ضد أمتنا، لأنها تضرب عمق المشروع الإسلامي المؤسس على رابطة الأخوة والإصلاح والولاء والتضامن والتعاون على البر والتواصي بالحق والصبر ... مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10) ، وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71) ، وقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2) ، وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3) ، وتساهم في تشرذم الأمة وتمزقها، وهذا من أكبر الأسباب وأعظمها في تخلف المصري عن مناصرة الفلسطيني والسوري واللبناني والأردني ... بحجة بدعة العصر"لا نتدخل في الشؤون الداخلية"، أو"عدم الخروج عن تعاليم الحاكم العميل/العدو الصهيوصليبي"، أي لا بد لنا من إذن لتطبيق أوامر ربنا سبحانه وتعالى ورسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ... ، وفي المقابل تجد الأنظمة العميلة تتبجح في وسائل الإعلام بتعاونها الأمني مع أعداء الأمة، بل وتتشدد في الحث عليه، ويعتبر انضباط وزراء الداخلية في مواعيدهم وجديتهم في العمل خير مثال، أما بعض المتخلفين من الإسلاميين فيخجلون/يخافون من التعبير على تضامنهم الإسلامي مع إخوانهم في العقيدة والدين.
بناء على ما تقدم، فإن الحركة الإسلامية لن تقوم لها قائمة إذا ما استمرت على نهجها القبلي، لأنه يحرم الأمة من استثمار طاقتها الحقيقية وتوظيفها في سبيل قضاياها العادلة، وأنها سوف تتآكل مع مرور الزمن حتى تنسى أنها وجدت أصلا لخدمة دينها وقضايا أمتها كما هو حاصل الآن في معظم الأقطار، حيث أصبحت جزءا أساسيا من منظومة/بنية النظام العلماني العميل وأحد رموزه وأعمدته، بل من خدامه المطيعين، ويكفي أنها لا يمكن أن تقدم على أي خطوة مهما كانت تافهة إلا إذا أخذت الإذن منه، وكذلك مطالبتها المستميتة في الحصول على الشرعية القانونية، أي على رضائه والخوف الشديد من سخطه، وهذا يعلمه الجميع وهي أيضا لا تنكره.