وقد شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين انتصار حركات التحرر في القارّات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهزيمة الاستعمار القديم. إلا أن عددًا من هذه البلدان التي استطاعت انتزاع استقلالها قد حصلت على نوع من الاستقلال المشروط. فقد تم ربط تلك الدول بمعاهدات اقتصادية وعسكرية وسياسية ضمنت تبعيتها للدول التي كانت تمارس احتلالًا مباشرًا عليها. فبرزت مجموعة دول الكومنولث البريطاني، وحلف المعاهدة المركزية (السنتو) وحلف جنوب شرقي آسيا. وفي بعض البلدان، قامت سلطات الاحتلال الاستعماري قبل رحيلها بتسليم السلطة إلى قوى اجتماعية موالية للمحتل، بحيث يسهل عليها ضمان استمرار تبعية هذه البلدان لسياساتها ومناهجها، مفسحة المجال لبروز نمط جديد من الهيمنة والاستغلال هو ما عرف لاحقًا بالاستعمار الجديد.
وكانت المهمة الرئيسية التي واجهتها شعوب العالم الثالث عشية حصولها على الاستقلال هي التخلص من التركة الثقيلة التي خلفها الاستعمار وراءه، وتحقيق النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والبدء فورًا بتنفيذ خطط التنمية الشاملة واللحاق بعجلة التطور. وكان زعماء هذه البلدان متأثرين إلى حدكبير بنماذج التنمية الأوروبية تحكمهم في ذلك مواقعهم الاجتماعية وثقافاتهم وتوجهاتهم السياسية.
العالم الثالث وخيارات التنمية
وكما أشير سابقًا، فقد كان في أوروبا نموذجان للتنمية، أحدهما رأسمالي والآخر اشتراكي، وكان على الدول المستقلة حديثًا أن تختار أحدهما.