{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين لا يُكره أحدًا في الدين فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم فاستأذن الله في قتالهم فأذن له، ثم قال أبو جعفر بن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالى ذكره {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} : أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخًا، وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا اللطيف من البيان عن أصول الأحكام من أن الناسخ غير كائن ناسخًا إلا ما نفي حكم المنسوخ فلم يجز اجتماعهما، فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أنه أكره على الإسلام قومًا فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه - وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم - كان بيّنًا بذلك أن معنى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} إنما هو: لا إكراه في الدين [62] لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام، ولا معنى لقول أن الآية منسوخة الحكم بالإذن بالمحاربة، فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس - وغيره - أن الآية نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يُكرهوا أولادهم على الإسلام؟ قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد نزلت في خاص من الناس ويكون حكمها عامًا في كل ما جانس المعنى الذي نزلت فيه، فالذين أنزلت فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قومًا دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله - تعالى ذكره - عن إكراههم على الإسلام وأنزل ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها وإقرارهم عليها على النحو الذي قلنا في ذلك، ومعنى قوله {لا إكراه في الدين} تعريفًا للدين الذي عنى الله بقوله لا إكراه