فيه وأنه هو الإسلام، وقد يحتمل أن يكون ادخلتا عقيبًا من الهاء المنوّية [1] في {الدين} فيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه قد تبيّن الرّشد من الغيّ، وكان هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي (انتهى كلامه رحمه الله) ، وهو صريح في رد ما زعمه هذا المفتري من أن قوله {لا إكراه في الدين} نص عام إنا: لا نُكره احدًا على الدين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة والإتباع: وقد كان في العرب من تهوّد بعد بعث المسيح - كجماعة من أولاد الأنصار - ومع هذا أنزل الله فيهم {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} فلم يُكرههم النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام، وجعل حكمهم حكم سائر اليهود. وقال أبو سليمان الخطابي: وأما قوله {لا إكراه في الدين} فإن حكم الآية مقصور على ما نزلت فيه من قصة اليهود، وأما إكراه الكفار على دين الحق فواجب، ولهذا قاتلناهم حتى يُسلموا أو يؤدوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم. وقال ابن كثير في تفسيره هذه الآية: وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء إلى أن [63] هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف - دين الإسلام - فإن أبى أحد منهم الدخول - ولم ينقد له أو يبذل الجزية - قوتل حتى يُقتل، وهذا معنى الإكراه، قال تعالى {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ، وفي الصحيح"عجب ربك من قوم يُقادون إلى الجنة بالسلاسل"يعني الأسارى الذين يُقدم بهم بلاد الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يُسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أسلم، قال: إني أجدني كارهًا، قال:"وإن كنتَ كارهًا"فإنه ثلاثي
(1) - في المطبوع"المئوية"وقد صححوها في جدول الأخطاء في آخر الكتاب"المتوية"بالتاء، والصحيح أنها"المنوّية"كما في طبعة محمود شاكر لتفسير الطبري.