الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس وحول البيت - وعليه - ثلاثماية وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويقول:"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدأ الباطل وما يعيد"، والأصنام تتساقط على وجوهها، وكان طوافه على راحلته ولم يكن مُحرمًا، فلما أكمل طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة فأمر بها ففتحت فدخلها فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله، والله ان استقسما بها قط. ورأى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده وأمر بالصور فمحيت، ثم أغلق عليه الباب وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك، ثم دار في البيت وكبّر في نواحيه ووحّد الله، ثم فتح الباب وقريش قد ملئت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنع بهم، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته فقال [74] : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج. ألا وقتل الخطأ شبه العمد - السوط والعصا- ففيه الدية مغلظة: مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلى هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} ، أذهبوا فأنتم الطلقاء. قال ابن كثير: فأطلق من أسلم منهم بعد القدرة والغلبة عليهم، فسمّوا الطلقاء وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه بالأمان والتّسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرها، ثم هداهم الله بعد ذلك للإسلام. فإسلام الطلقاء إنما كان خوفًا من السيف قبل المنّ عليهم: اضطرارًا لا اختيارًا، والمنّ عليهم إنما حصل بعد أن أسلموا لأنهم بعد الإستيلاء عليهم صاروا أسرى، والأسير إذا أسلم حرم قتله وخيّر فيه الإمام بين المن والفداء