، فليس هذا بالسبب في بعث السرية، وإنما السبب في ذلك أنه كان من شريعته السمحة أنه لا يقاتل أحدًا من الناس لم تبلغه الدعوة حتى يدعوه إلى الإسلام: فإن أجاب إلى ذلك وإلا قاتله، وكان يأمر بهذا جيوشه وسراياه كما أمر معاذًا حين بعثه إلى اليمن وقال: إنك تأتي أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله (إلى قوله) فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وكما أمر خالد بن الوليد حين بعثه إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم للإسلام قبل القتال. فكتب كتابًا إلى ملك الروم بالشام - أو بُصرى - يدعوه إلى الإسلام، وبعث به الحارث بن عمير الأزدي - أحد بني لهب - فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطًا ثم قدّمه فضرب عنقه، لو يُقتَل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فلما أبوا عن الإنقياد إلى ما دعاهم إليه - وقتلوا الرسول - بعث البعث واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة. فاستشهد الأمراء الثلاثة، وأُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلهم في اليوم الذي قُتلوا فيه. قال ابن القيم: وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في صحيح البخاري أن الهزيمة كانت على الروم، والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى. قلتُ: بل الصحيح ما ذكره البخاري من أن الهزيمة كانت على الروم لأنه اعتمد في قوله هذا على ما رواه في صحيحه عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال: أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأُصيب - وعيناه تذرفان [1] - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. فسماه فتحًا، وهذا يدل على انتصارهم على عدوهم، فلله در البخاري ما أدقّ فهمه وأغزر علمه، فرحمه الله ورضي عنه. وقد ذكر ابن اسحق عن عروة بن الزبير أن بعث السرية إلى مؤتة كان في جمادى الأولى سنة ثمان. وأما [87] قتل النصارى لبعض من أسلم من كبارهم بمعان بعد ذلك (سنة تسع، سنة الوفود) قال
(1) - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.