والنور لا في حجبه عنهما، وفي تقريبه من الآداب العالمية حتى يساهم معها في تأدية رسالتها لا في تنفيره منها وتنفيرها منه، على أن يبقى أدبنا محتفظًا بألوانه، ويبقى أديبنا عاملًا على إبدائها لا على إخفائها؛ وبهذا نحقق غاية من غايات الأدب، ونفتح لنا زاوية في عمارة الأدب، ونكمل الخطوة الأولى التي خطاها الأوائل ولم يكملوها.
غرض الكتاب وغرض الشعر:
وقعت مصادفة على مقالات منثورة من هذا الكتاب، وهي مقالات لا تكاد تؤلف المصنف كله، وإنما وجدت بأنها تعطي فكرة عامة عن الكتاب ومنهج صاحبه ومترجمه فيه. وقد بينت أن المترجم إنما عنى به لأنه أثر من آثار أرسطو، ولأن قواعده في الشعر ذهبت قوانين عامة، لأن أرسطو الجبار الذي أراد أن يفرض سلطان العقل على كل سلطان أراد أن يوحد مملكة الشعر ويمسك على الإحساس كما أمسك على العقل، جاهلًا أن الفرق بين هاتين المملكتين مملكة الإحساس ومملكة العقل فرق كبير، ولكن الرجل أستدرك وزعم أنه يذكر قوانين عامة للشعر، وهو لا يخوض في تولد الإحساس وملاءمة التعبير عن الإحساس، لأن هذا مما يتفاوت فيه العباقرة أنفسهم، فألف هذا الكتاب ليكون له كتاب في الشعر كما ترك كتابًا في الخطابة والموسيقى، ولقد أنتصر هذا العقل إلى حد كبير في هذه الميادين التي تختلف عن ميدانه الذي خلق له، والتي لم يكن لها مفر منها ليستطيع أن يمثل حق التمثيل ثقافة عصره. ولقد استطاع إلى حد بعيد أن يكسو هذه الأشياء النافرة عنه بأردية عقله وتفكيره، فتبيت تقرأ الشعر فكرًا والتصوير تفكيرًا. ولم لا ينتصر وقد أدرك بعين التأمل عبقرية هوميروس وأثنى عليه الثناء الجميل؟ وكيف يوفق الناقد بين رجلين خلدت الطبيعة هذا بعقله وذلك بقلبه؟
كتب أرسطو كتابه عن الشعر لا كما يريد الشعر لأن أرسطو مكبل بعقله مقتحم بمنطقه. فالأقيسة والأسطقسات والبراهين لا تكاد تفارق ما أراد منه أن يكون قوانين عامة للشعر، فجاءت قوانينه بذلك قوانين جافة قاسية يغلب عليها الذهن الرياضي، لو مشى عليها الشعر ذاته لجاء ممسوخًا. وجميل أن تدخل الفلسفة الشعر بشرط أن تتنازل كثيرًا عن أقيستها حتى يمكنها أن تتذوق الشعر.
تناول ابن رشد هذا الكتاب وترجمه وتصرف فيه كثيرًا وأحسن في هذا التصرف كثيرًا،