من أثر التدرن الذي كان يشكو منه دائمًا والذي سافر من أجله إلى إيطاليا يستشفي منه، ولكن ما زال به حتى قضى عليه في النهاية. وقد ذكرنا أن جوركي عمل في حداثته عند خباز، ونذكر اليوم أن هذا الخباز كان اسمه (راماس) من مدينة قازان، وأنه كان ذا أثر كبير في توجيه مكسيم جوركي، فقد كان يعمل ليلًا في مخبزه اتقاء لشبهة جواسيس القيصر، ثم يبث في عماله روح الانتفاض على ظلم القيصرية بما كان يلقيه عليهم من أحاديث ملتهبة، وبما كان يقرئهم من كتب ويثقفهم به من معلومات. وكان الفتى جوركي أشد العمال تعلقًا براماس، وكان يلتهم كتبه التهامًا حتى حدثوا عنه أنه كان يقضي نصف أوقات راحته ونومه مكبًا على كتب راماس! ولما علق جوركي الأدب ومهر في الخطابة توجه إلى بطرسبرج ودعا الشعب إلى مطالبة القيصر بالدستور، ثم جمع عددًا كبيرًا من العمال وتوجه بهم إلى قصر القيصر في مظاهرة صاخبة وهتفوا بحياة الدستور، وما هي إلا لحظة حتى حصدتهم نيران البنادق والمدافع من كل صوب، ونجا جوركي بأعجوبة. ولكنه قبض عليه وحوكم أمام محاكمة عسكرية فقضت عليه بالسجن لمدة سنة وعلى الزعيم الآخر (الأسقف جابون) بسنة مثلها (1905)
وكان جوركي يستشفي في إيطاليا حينما هبت الثورة في روسيا فعاد إليها ليلقى لينين وليكون هو وتروتسكي أشد أعوانه وأكبر مؤيديه، وإن يكن جوركي كان يأخذ على طاغية روسيا وزعيمها الأكبر أخذه الناس بالشدة وسوقهم إلى نظمه بالعنف، وكان يصارحه بعدم رضاه عن هذه الطرق التعسفية في بث مبادئ الثورة مع علمه أن معنى معارضة لينين الشنق والقتل بالرصاص. والعجيب أن عطف جوركي هذا لم يستمر طويلًا. فقد حدث بعد موت لينين أن أختلف ستالين وتروتسكي من أجل تنفيذ مبادئ الثورة تنفيذًا حرفيا فكان من رأي تروتسكي أخذ الفلاحين بالعنف وإخضاعهم بالقوة لتعاليم لينين، ولكن ستالين أبى ورأى في الطفرة تمهيدًا لثورة الفلاحين ففضل التدرج معهم في جذبهم إلى حظيرة هذه التعاليم. واشتد الخلف بين أقطاب الشيوعية، وملك ستالين زمام الأمور، وفر تروتسكي خارج روسيا، ولحق به جوركي؛ ولكن جوركي عاد إلى روسيا بعد ذلك فشهد بعينه صدق نظر ستالين، فرجع عن رأيه لما رأى من استقرار الأمور، وعاد إلى سالف تشجيعه للاتحاد السوفيتي فعينه في لجنته التنفيذية.