الدنيا الجديدة أو جنوب أفريقيا، ويتركون فلسطين الصغيرة الوادعة الغاصة بأهلها الذين لا يريدون التخلي عنها أو يفنوا عن آخرهم
على أن فلسطين لن تحل المشكلة اليهودية فهي أضيق من أن تتسع لهم جميعًا مهما بالغوا في مقدرة المدن الصناعية على استيعاب السكان. وأين يذهب العرب؟ ولم يتركون أوطانهم وبيوتهم لغيرهم؟ ولم يصيرون أقلية مستضعفة في ظل دولة يهودية غريبة معتدية لها الأكثرية والحكم بعد أن كانوا هم أهل البلاد وأصحاب ثروتها منذ الفتح الإسلامي؟
ثم إن هذه الدولة الصناعية ليست خطرًا على فلسطين فحسب ولكنها ستكون نكبة على الشرق العربي كله؛ لما لليهود في العالم من رءوس أموال ضخمة وخبرة فنية وصناعية واسعة ستجعل من الشرق العربي سوقًا لسلعهم، وتميت فيه الصناعات الناشئة، ولن يكون أهله إلا أجراء أو مستهلكين، والثمرة والمال لليهود المستغلين
ومن حجج اليهود الواهية المتداعية التي يخدعون بها بعض الساسة في أوربا ادعاؤهم إنعاش فلسطين اقتصاديًا منذ ابتدءوا ينزحون إليها، وأن أجور العمال من العرب قد ارتفعت، ومستوى الحياة قد ارتقى، وكثيرًا من الأرض اليباب القحلة قد أصلح، وكانت فلسطين قبلهم معدمة تغص بالمستنقعات ويعاني أهلها الجهل والفقر والغبن
على أن هذه الحجة غير صحيحة؛ فلم يفد العرب شيئًا من أموال اليهود ونشاطهم وهم دومًا يؤثرون العمال من بني جنسهم ويجعلون مدنهم ومستعمراتهم، ولا يتبادلون السلع مع العرب بل لا يشترون شيئًا منهم، واستولوا على كثير من الوديان الخصبة المزروعة، ولو كان ادعاؤهم هذا صحيحًا فالعرب يرفضون مدنيتهم ورفاهيتهم وأموالهم وصناعاتهم على أن تبقى لهم حريتهم الغالبة، ورحم الله عنترة حين قال:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أكرم منزل
إن صلة اليهود بفلسطين صلة دينية فقط، وأما طمعهم في جعلها وطنًا قوميًا يضم دولة يهودية فيجب ألا يفكروا فيها، لأن فلسطين جزء من الوطن العربي الكبير، ووجود دولة غربية بجنسها ودينها ومشخصات قوميتها وسط هذا الوطن خطر كبير عليه، ومدعاة للشغب والاضطراب والفتن الدائمة؛ ولن يرضى العرب بذلك أبدًا.