مصدر الصوت، وإن أراد النهوض قعد به الضعف فلا يستطيع.
كيف لا أندب الشباب وقد ... أصبحت كهلا في محنة اغتراب
أخلق الشيب جدتي وكساني ... خلعة منه رثة الجلباب
ولوى شعر حاجبي على عيني ... حتى أظل كالهداب
لا أرى الشيء حين يسنح إلا ... كخيال، كأنني في ضباب
وإذا ما دعيت حرت كأني ... أسمع الشيء من وراء حجاب
كلما رمت نهضة أقعدتني ... ونية لا تقلها أعصابي
كان البارودي كثير التأمل في حوادث حياته، ما مضى منها وما حضر، وكثيرًا ما كان يفكر فيما آل إليه أمره، فيسلي نفسه حينًا بأن الحظ يلعب دورًا كبيرًا في النجاح، ولا ذنب له إن جافاه الحظ فلم ينجح، وحينًا يعود باللائمة على الحياة الدنيا، فهي لئيمة قلّب، لا تحسن اليوم إلا لتسيء غدًا، وأحيانًا يسوق الأمثال والحكم ليجلب إلى نفسه الهدوء والراحة، فالسيادة لها تكاليفها والمغامر تقوى هموم قلبه، وطالب العلا يعرض نفسه للحلو والمر إلى غير ذلك، مما تجده منثورًا في قصائد منفاه، وإذا ذكر ثروته وكيف جرد منها قال:
أثريت مجدًا فلم أعبأ بما سلبت ... أيدي الحوادث مني فهو مكتسب
لا يخفض البؤس نفسًا وهي عالية ... ولا يشيد بذكر الخامل النشّب
وكان يسبغ على نفسه الرضا والطمأنينة راحة ضميره وإيمانه بأن سيرته ليس فيها ما يزري أو يغض من قيمته:
راجعت فهرس آثاري فما لمحت ... بصيرتي فيه ما يزري بأعمالي
وأنه لم يبع ضميره بالمال ولم يفرط فيما يعتقد إنه واجب عليه، مؤمنًا بأن التاريخ سينصفه، وسوف يبين الحق يومًا للناظرين، قال في إحدى قصائده:
ولو رمت ما رام امرؤ بحياته ... لصبحني قسط من المال غامر
ولكن أبت نفسي الكريمة سوأة ... تعاب بها والدهر فيه المعاير
وسوف يبين الحق يومًا لناظر ... وتنزو بعوراء الحقود السرائر
كان نفي البارودي إلى جزيرة سيلان ومعيشته بين القوم الذين وصفناهم له هذا الثر