ما دامت الطبيعة تفتح له أبوابها وترفع أستارها. . .
ومع أن مذاهب الإزراء والتحقير للمادة وشئونها والتشاؤم والنظر إلى الوراء دائمًا والانتقاض على الحاضر، لم تظفر في مرحلة من مراحل تاريخ الإنسانية، ومع أن الإنسانية لم تلتفت لقائليها أي التفات يبرز مضغ قضاياها وترديد دعواتها. . . نجد كثيرين من الدعاة الدينين والفلاسفة والشعراء يصرون على إحياء الدعوة إليها وتحكيمها في الحياة وإفهام الناس أن في الأخذ بها عقلًا وحكمة وإصابة لأهداف الحياة. . . واعتقادي أن أكثر الإخفاق في تعديل العقلية المادية الصماء وتقليل جشعها وتوسيع ضيقها راجع إلى هذه المغالاة من هؤلاء السادة في إهدار القيم المادية للحياة، وإلى مبالغتهم في تجريد الحياة الإنسانية من ملابسات المادة، وإلى افتراء أكثرهم في إلصاق مذهبهم هذا بالمسألة الدينية التعبدية التي هي لباب القلب البشري ومصباح العقل الإنساني. حتى لقد اعرض وأجفل كثير جدًا من الناس من الإقبال على الله والاعتقاد به، وحاول كثير منهم أن يخفتوا صوته المجلجل في ضمائرهم ويتجنبوا التفكير فيه، حتى لا يحرمهم ذلك تذوق الحياة في دنياهم والعمل المادي فيها والإحساس بها والتمتع بطيباتها التي رأوا هؤلاء المتشائمين المحرومين يقبحونها وينفرون عنها، ويزعمون أنها عبث ومأساة وخديعة ومجلبة لسخط الله وخذلانه. . .
لقد ثبت أن المادة هي مجال عمل إنساني خصب ثابت دائم النفع للإنسانية جميعها، وأنها هي الشيء الوحيد الذي تلتقي فيه الإنسانية بأفكارها وأيديها، وترتفق منه مرافق نفعها جميعًا.
أما المذاهب والفلسفات النظرية فلم تلتق فيها للآن، فلا غرو إذا كان الإكثار منها والإسراف فيها مما يزيد الإنسانية افتراقًا وبلبلة وتقطع أمر.
وقد يجد أنصار الشك سبيلًا إلى كل قضية فكرية، ويستطيعون أن يلبسوا فيها حقًا بباطل، ويقينًا بشك، إلا قضية فكرية واحدة، هي قضية (تفوق) الإنسان واطراد تقدمه المادي المبني على أساس إدراكه أسرارًا من الطبيعة. وهذا يجعلنا نتيجة إلى إعطاء هذا الجانب من حياته أعظم اهتمام، حتى نخترق به حجابًا وراء حجاب مما يدنينا من الراحة والسعادة والعلم بالأسرار؛ بل يجب أن نتخذ هذا الجانب العظيم في الإنسان أساسًا للإيمان به