فغمره اليأس ودخل حانة صغيرة وجلس بقرب النافذة ليشرب كوبًا من الخمر. وبينما هو يرسل نظرة تائهة نحو الخارج رآها، وكانت في ملابس الخادمات، ريانة العود، عذبة الملامح. ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسرع إليها ويبتدرها قائلًا:
-ما أبهج الصباح، وما أسعدني بلقائك، يا له من يوم جميل يصلح لأن يكون يوم زواج.
فنظرت إليه طويلًا ثم ابتسمت قائلة: هو كذلك.
فتشجع وقال في حماسة: أتتزوجنني. . . أنا أدعى هاري بونتبي وأسكن الغابة واصلح لأن أكون زوجًا طيبًا.
فتمنعت قليلًا في بادئ الأمر ولكنها سرعان ما وافقت. فأخذها من يدها مسرعًا إلى الحاكم ليعقد عليها ثم أشترى لها ملابس جديدة وعاد بها إلى منزله عودة الظافر المنتصر.
ولما رأت اخوته الخمسة قالت - لماذا لم تخبرني بذلك يا هاري من قبل؟
فقال: لعل سعادة لحظة الزواج أنستني كل شيء عداها.
ثم دخلت ذلك المنزل الكبير واستعرضت ما فيه فهالت الأتربة المتراكمة والكميات الوافرة من الطعام التي تكفي لإشباع بطون كثيرة، وأكوام الملابس القذرة التي في أشد الحاجة إلى أيد تغسلها وتتعهدها. فشمرت عن ساعديها وأقدمت على العمل مجتهدة وتناول الفتيان ليلتئذ أول عشاء جيد لم يسبق أن تذوقوه منذ شهور.
كرت الشهور تتلوها الأيام واحتلت ميلي في نفوسهم جميعًا مكانة عظمى فأصبحوا رهن إشارتها يضحون بكل ما تطلبه منهم كما تغيرت وجهة نظرها الأولى التي كانت تحفظها عنهم وهي في البلدة إذ وجدت فيهم أناسًا يتحلون بأنبل السجايا وعجيب كيف يختلف أهل القرية تلك الإشاعات المفتراة عنهم.
ويوما، لاحظ عليها زوجها أنها تكد وتجتهد وتكافح في سبيلهم حتى هزل جسدها ونال الضعف من قوتها فقال لها - يجب أن تنالي راحتك ولو قليلًا يا عزيزتي.
فنظرت إليه في ابتسامة وقالت - وبخاصة وأنا أشعر بذلك الجنين الذي بدأ يتحرك في أحشائي.
فاجتمعت العائلة وقررت أن يتزوج هلبرت الأخ التالي حتى تمد زوجته يد المساعدة إلى ميلي في إدارة المنزل.