ولكن صبرًا إنه كان يشرب القهوة. كانت ساخنة جدًا حتى كادت تتنفسط منها شفتاه. وهو إنما نظر إلى المكروبات في الرواسب التي بين أسنانه الأمامية بعد شربه هذه القهوة الساخنة مباشرة
وما لبث أن استعان بمرآة مكبرة واخذ يقشط ما بين أسنانه الخلفية، ثم ينظر. . . . ما كَذَب المنظارُ وما أخطأ لوفن. قال: وما لبثت أن دهشتُ للكثرة التي وجدتها من تلك الحيوانات الحية في القليل التافه من تلك القِشاطة، كثرةٍ لا يؤمن بها إلا من رأى). وبعد هذا أخذ يجري تجارب صغيرة في أنابيب الزجاج، فسخن فيها الماء بما يًأهُله من تلك الأحياء إلى درجةُ فويق التي يحتملها المرء في حمامه، وفي لحظة فقدت الحيوانات روحاتها وجيئتها. وبرد الماء ومع هذا لم تعد إليها الحياة. إذن فالقهوة الساخنة هي التي قتلت تلك الحيوانات في أسنانه الأمامية
وأعاد النظر إلى هذه الحيوانات في غبطة وسرور، ولكن أساءه وأهمه أنه لم يتبين لهذا الحيوانات رأسًا ولا ذيلًا، فإنها كانت تسير في تلويها مسرعة في اتجاه، ثم لا تلبث أن تكر راجعةً بنفس السرعة في عكس الاتجاه دون أن تنعطف أو يدور لها رأس على عقب، ولكن لابد أن يكون لها ذيل: لا بد أن يكون لها رأس! ولابد أن تكون لها أكباد وأمخاخ وأوعية دموية كذلك! وعاد بذاكرته إلى الوراء أربعين عامًا، إلى البراغيث وديدان الجبن كيف كانت تراها عينه مخلوقات بسيطة الصنع مجملة التركيب، فإذا بها تتراءى تحت عدسته معقدة التركيب مفصلة الصنع تامة كخلق الأنسان نفيه. فطمع أن ينشف له من هذه المكروبات ما تكشف من هذه الديدان. ولكن عبثًا حدق في أقوى عدساته، فقد ظلت هذه المكروبات تظهر في بصره عصيًا أو كرات أو حلزونات بسيطة لا تفصيل فيها ولا تعقيد. وأخيرًا اكتفى بأن حسب للجمعية الملكية قطر الوعاء الدموي بتلك المكروبات لو أنه كان، ولم يقل قط إنه رأى تلك الأوعية، وإنما أراد أن يتسلى بتخيله أولياءه من أعضاء الجمعية يتراجعون دهشةً من صغر الأرقام التي أسفرت عنها حسبته
وإذا كان (لوفن هوك) قد فاته أن يرى الجراثيم التي عنها تنشأ أمراض الإنسان، وإذا كان خياله قد قصر عن إدراك ما تأتيه حيواناته اللعينة من قتل وأجرام، فلم يفته أن يدرك أن هذه الحيوانات التي تُفلت العينَ قد تَقتل وقد تأكل حيوانات تجل عنها أضعافًا كثيرة. فذات