يوم كان يتلهى ببعض حيوانات الماء الصدفية كبلح البحر وأم الخلولَ جرفها من قيعان الترع، فوجد بداخل الأم الواحدة آلافًا من الأجنة، فهالته كثرتها وتساءل كيف لا تشرق مجاري الماء بهذا العدد العديد من الأحياء. وخال أن يُربى تلك الأجنة في زجاجة بها ماء أخذه من تلك الترع، وأخذ كل يوم يعبث بالماء وقد تلزج كالمخاط بما فيه من أجنة، وكان أن نظر إليها بعدسته يحسب أنها كبرتْ، فأفزعه أن وجد اللحم الطري يتلاشى بين أصدافه، ذلك لأن آلافًا من المكروبات الدقيقة استطعمته فالتهمته بشراهة أي شراهة
(تعالى الله! حي يعيش على حي، وحياة تستمد البقاء من فناء حياة! تلك لا محالة قسوة كبيرة، ولكنها مشيئة الله. ولا شك أن الخير كل الخير فيها، فلولا أن أكل المكروب صغار هذا المحار، وكل أم تلد ألفًا في المرة الواحدة، لانسدت به القنوات) . هكذا فكر لوفن، وبهذا القنوات أسلم لقضاء ربه. كان يتقبل كل شيء ويرضى عن كل ما يجد، فلم يكن يعد قد جاء العصر الذي تهجم فيه البحاث على المقام الاسمي ورفعوا أيديهم إلى السماء يتسخطون ويتهددون على ما بالطيعة من قسوة لا معنى لها على ابنها الإنسان
وبلغت سنه الثمانين وفاتتها، وتخلخلت أسنانه بالرغم من قوة جسمه، وكل سن للتخلخل ولو أمهلتها السنون حينًا. وجاء شتاء أيامه وخيم بظله وقره فلم يشك شيئًا، بل انتزع سنًا عتيقة من فمه وصوب إليها العدسة يمتحن تلك المخلوقات الضئيلة في الجذر الخاوي من السن مرة أخرى. ولم لا يفعل؟ فلعله يجد تفصيلًا جديدًا فاته في سائر تلك المرات العديدة. وجاءته رفقة من صحابه وقد بلغ الخامسة والثمانين تسأله أن يترفق بنفسه ويدع البحث والدرس، فقارب ما بين حاجبيه وأوسع ما بين جفنيه، ولم يكن فارق البريق عينيه، وقال لهم: (إن الثمرة التي تنضج في الخريف تطول سائر الثمر عمرًا) . سمي الخامسة والثمانين خريفًا!
وكان كأرباب المعارض يحب أن يسمع إعجاب الناس بما يعرض إن حضروا، أو يقرأ لغيابهم إذا هو كتب لهم تلك الكتب الثرثارة المتفككة الطويلة. ولا تنس انه لم يكن يعرض بضاعته إلا على الفلاسفة والمتفلسفين وأحباب العلم. وكان لا يحسن التدريس إذا هو حاوله. كتب إلى الفيلسوف الشهير ليبنتز يقول: (أنا لم أعلم أحدًا، لأني لو علمت واحدًا وجب على تعليم آخرين، وإذن أعبد نفسي عبودية لا تنقضي، وأنا أحب أن أكون سيدًا