وكأنما جثم الظلام على شحمه ولحمه؛ فانه متى ثقل الهم على نفس من الأنفس ثقل على ساعتها التي تكون فيها، فتطول كآبتها ويطول وقتها جميعًا.
فأراد الكبش أن يتفرج مما به؛ وينفس عن صدره شيئًا، وكان الصغير قد أنس إلى المكان والظلمة، وأقبل يعتلف ويخضم الكلأ، فقال له الكبش: أراك فارهًا يا ابن أخي، كأنك لا تجد ما أجد؛ إني والله أعلم علمًا لا تعلمه، وإني لأحس أن القدر طريقة علينا في هذه الليلة، فهو مصبحنا ما من ذلك بد
قال الصغير: أتعني الذئب؟
قال: ليته هو، فأنا لك به لو أنه الذئب؛ إن صوفي هذا درع من أظافره، وهو كالشبكة ينشب فيها الظفر ولا يتخلص، ومن قرني هذين ترس ورمح، فأنا واثق من إحراز نفسي في قتاله، ومن أحرز نفسه من عدوه فذاك قتل عدوه، فان لم يقتله فقد غاظه بالهزيمة، وذاك عند الأبطال فن من القتل.
وهذا القرن الملتف الأعقد المذرب كالسنان، لا يكاد يراه الذئب حتى يعلم أنه حاطمة عظامه، فيحدث له من الفزع ما تنحل به قوته، فما يواثبني إلا متخاذلًا، ولا يقدم على إلا توهم الذئبية للخروفية، فان أساس القوة والضعف كليهما في السوس والطبيعة، غبر أنه لا يعلم أني خرجت من الخروفية إلى الجاموسية. . .!
فما يعلمه ذلك إلا بقر بطنه أو التطويح به من فوق هذا القرن، أقذفه قذفه عالية تلقيه من حالق، فتدق عظامه وتحطم قوائمه!
قال الصغير: فماذا تخشى بعد الذئب؟ إن كانت العصا فهي إنما تضرب منك الصوف لا الظهر
قال الكبش: ويحك! وأي خروف يخشى العصا؟ وهي إنما تكون عصا من يعلفه ويرعاه، فهي تنزل عليه كما تنزل على ابن آدم أقدار ربه، لا حطمًا ولكن تأديبًا أو إرشادًا أو تهويلًا؛ ومن قبلها النعمة وتكون معها النعمة وتجيء بعدها النعمة؛ أفبلغ الكفر منا ما يبلغ كفر الإنسان بنعمة ربه؛ إذا أنعم عليه أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر انطلق ذا صراخ عريض؟
وكيف تراني (ويحك) أخشى الذئب أو العصا، وأنا من سلالة الكبش الأسدي؟