الكبير رفاعة وأصحابه إلى أن ينفضوا قديم العربية لعلهم يجدون بين مفرداتها وما أثر في كتبها من المصطلحات العلمية والفنية ما يدلون به على ما استوى لهم من جديد في العلوم والفنون، فإذا أصابوا هذا وإلا عمدوا إلى الوسائل الأخرى من النحت والاشتقاق والتعريب. وإذا كان قد اجتمع لهم فيما نقلوا إلى العربية من علوم الغرب وفنونه صدر محمود، فإن ذلك أصبح لا غناء فيه ولا سداد له؛ بعد إذ فترت تلك النهضة وخبت جذوتها بعد ذهاب مذكيها المرحوم محمد علي الكبير، بينا تطرد العلوم والفنون في تبسطها حتى لتخرج على العالم كل يوم بجديد. وهذه الحاجة الملحة، والتي يشتد إلحاحها ويتضاعف كلما تراخت الأيام، لقد كانت تبعث جماعات الفضلاء الفينة بعد الفينة إلى تأليف الجمعيات للبحث والنظر في تحريك لغة العرب حتى تستطيع أن تتوافى لمطالب الحضارة الحديثة. على أنه لم يقدر لها النجاح لأسباب لا محل لذكرها في هذا المقام. فلم يبق بد من أن تضطلع وزارة المعارف بالأمر، وبعد لأي قام (المجمع الملكي للغة العربية) ، نسأل الله تعالى أن يمده بروحه، ويعينه على مهمة جليلة المشقة جليل الآثار، وأن يهديه إلى أقوم سبيل!
لقد استطرد القلم من حديث الأدب إلى حديث اللغة، وماله لا يفعل واللغة مادته وملاكه. وإذا كان أجل همه إلى المعنويات فليس له عن هذه المادة غناء، بل لقد تكون وسيلته وأداته حتى في التعبير عن أخفى العواطف وأدق خلجات النفوس. على أن أهم ما يعنينا من هذا البحث إنما هو حيرة الأدباء، أو على تعبير أضبط، خيرة بعض من يعانون الأدب في هذا العصر، وذلك أن في مأثور العربية أدبًا غنيًا سريًا واتى سلفنا العظيم بمطالب الشعور ومطالب الحضارة جميعًا. على أننا نعيش الآن في حضارة غير حضارتهم، ونعالج من وسائل الحياة غير ما عالجوا. ثم إنه مهما تطبعنا الوراثة على طبعهم، وتنضح علينا من أذواقهم وشعورهم وغير ذلك من خلالهم، فإن مما لاشك فيه أن لتطاول الزمن، وتغير البيئات، وتلون الحضارات، وما يجوز بالأقوام من عظيمات الأحداث أثرًا لقد يكون بعيدًا في كل أولئك. وأنت خبير بأن الأدب الحق إنما يتكيف بما هو كائن، ويترجم عما هو واقع. ومن هذا تجد كل أدب حي متحرك في تطور مستمر طوعًا لتطور العوامل والأسباب.
ولست تلتمس دليلًا على أن الأدب العربي إنما كان كذلك في حياته القوية بخير من أن