وأسوأ من هذا وأنكى أن الجمعية الملكية جارت رجل الشارع، بل سارعته حتى كادت تتعثر في خطاها، فانتخبت (نيدم) عضوًا بها، ونادت به أكاديمية العلوم بباريس زميلًا. وفي هذه الأثناء كان اسبلنزاني يسير في معمله رائحًا غاديًا يتمتم ويدمدم: ذاك خطر على العلم كبير، ذاك تعام عن الحقائق المتجسدة المتجردة الصامتة التي بدونها لا يكون العلم علمًا، هذان رجلان يتغاضيان عن تجاربه البديعة وما تتضمنه من حقائق جميلة!
وظل اسبلنزاني لا يدري كيف يصنع. وأنى له ما يصنع، وقد أغرق نيدم وبيفون العالم العلمي بطوفان من الكلم، ولم يجيبا بشيء عن حقائقه، ولم يريا الناس مواضع الخطأ من تجاربه؟ وكان الطلياني مقاتلًا شديد المراس، ولكنه كان يحب القتال بالحقيقة وبالتجربة، وقام خصماه فأثارا حوله غبارًا كثيفًا من اللفظ الفارغ، ولفاه من فرعه إلى قدمه بقتام الكلم البائر، فلما امتشق سيفه أن يضرب لم يجد ما يضرب. صاح اسبلنزاني ما صاح، وغضب ما غضب، وسخر سخرًا مريرًا بتلك الدعابة الهائلة، تلك القوة التي أسموها القوة النباتية، ولكن من دون جدوى. قال نيدم إنها القوة التي أخرجت حواء من ضلع آدم، إنها القوة التي كونت شجرة الصين العجيبة التي تكون في الشتاء دودة، فإذا جاءها الصيف استحالت ويا للعحب إلى شجرة باسقة جميلة - إلى غير هذا من الخرف والكذب، حتى خال اسبلنزاني أن علم الحيوان كاد يضيع، كادت تضيعه القوة النباتية التي ابتدعها نيدم وأخذ يفسر بها كل شيء، فلم يبق له إلا أن يخرج بوساطتها من البقر رجالًا، ومن البراغيث أفيالًا!
ثم جاءت على حين غفلة تلك الفرصة التي أمكنته من القتال.
ذلك أن نيدم كتب إليه ينقد تجربة من تجاربه. كتب إليه يقول: (إن تجربتك يا هذا لا تصمد للنقد طويلًا. إنك سخنت قباباتك ساعة كاملة، فهذه الحرارة الشديدة أضعفت تلك القوة النباتية فأصبحت لا تستطيع خلق تلك الأحياء الصغيرة)
وكان هذا كل الذي طلبه اسبلنزاني واصطبر من أجله طويلًا فنسى لاهوته، ونسى تلاميذه العديدين الذين كانوا يتشوقون إلى دروسه، ونسى العقائل الحسان الائي كن يتراحمن حوله ليطوف بهن في متحفه، وطوى أردانه الواسعة فكشف عن سواعده. وأخذ يعمل، لا بقلمه في مكتبه، ولكن بزجاجه وبذوره ومجهره على نضد معمله