تلي سقيفة داره، وأخذ يدرس كيف أن الوطواط على عماه يستطيع أن يطير فيها ولا يصطدم بشيء مما بها. وفي ثنايا كل هذا استطاع أن يقتصد من وقته فيعين أولاد أخيه على التعلم، وأن يتكفل بحاجات أخته وأخيه، وما كانوا من ذكائه وعبقريته في شيء، ولكنهم كانوا من لحمه ومن دمه
ولم يلبث أن رجع القسيس يسأل نفسه ذلك السؤال القديم: كيف تنشأ الحياة؟ ذلك السؤال الذي منعه دينه من أن يجد له جوابًا، وتلك الحياة العجيبة التي أوصاه دينه بأن يتقبلها بعين مغمضة وإيمان أعمى، وأن يتخذ من غرابتها آية من آيات الله العظيم، وأن يرى في غموضها لسرًا من أسرار الحي القيوم. رجع يبحث في الحياة كيف تكون، وأخذ يجرب في الحيوانات الكبيرة بدل تلك الحيوانات المجهرية الصغيرة. وبدأ سلسلة من الأبحاث طويلة في سفاد الضفدع المسمى بأبي ذنيبة ساقته إلى فظائع كبيرة وتمثيل بالحيوان تقشعر منه الأبدان. . .
ولم يكن يأتي الفظاعة حبًا لها، ولم يتعد حدود اللياقة ضيقًا بها، بل كان يتشمم حيثما قاده أنفه طلبًا للمعرفة وتعشقًا لها. وقسا على نفسه كما قسا على الحيوان. ذلك أنه أراد أن يدرس كيف تهضم المعدة الطعام، فإذا يأتي بقطع صغيرة من الخشب يجعلها جوفاء ثم يملؤها باللحم ثم يبلعها، وبعد ذلك يضع إصبعه في حلقه فيقيئها، ثم يأخذ ينظر ما جرى للحم داخل الخشبات. وثابر كالمخبول على هذا العذاب حتى اعتراه غثيان دائم لم يجد معه إلا الإقرار بالضرر الحاصل فوقف التجارب
يتبع
أحمد زكي