لا أرى رأي الذين يرون أن أقدر حافظ قد زاد بتبييكه فلهو , في حكمي وحكم التاريخ , مجرَّدًا عن كل لقب اسمي وأشهر منه محلَّي بأعظم الألقاب , فإذا أنت قلت الشاعر حافظ إبراهيم عرفه كل الناطقين بالضاد , وإذا قلت عزتلو الوجيه الفاضل حافظ بك إبراهيم قد لا يعرفه إلاَّ بوّاب منزله وفرّاش الكتبخانة. وقد قال لي أحد الظرفاء عن الأنعام بالرتبة الثانية على شاعرنا إن شعره رفعه إلى الرتبة الأولى , ولمَّا توظف , سكت , فأنزله سكوته إلى رتبة الثانية
الرتب والألقاب
مهما أطنب الإنسان بمدح المساواة , لا يزال في فطرته ميالًا إلى علاماتٍ تميّزه عن سائر أبناء جنسهِ , مشغوفًا بألقابٍ ترفعهُ عن عامة الناس. لأن العامة تُكرم صاحب الرتبة , وتنظر إلى حامل اللقب بغير العين التي تنظر بها إلى مَن كان خلوًا منه , حتى رأينا الأميركان أنفسهم , وقد حظّرت عليهم قوانين بلادهم حمل ألقاب الشرف , يسعون في تزويج بناتهم صاحبات الألوف والملايين بحملة الألقاب علّ العدوى تسير إليهم. . . على أن هذه الفئة من الناس قد تكاثر عديدها , حتى أصبح الامتياز بعدم الحصول على لقب امتياز. يذكّرنا ذلك بكلمة تُروى عن ريشليو الكردينال الوزير على عهد لويس الثالث عشر , فإنهُ لما كان يسعى إلى كسر شوكة الأشراف , أخذ ينعم بألقاب الشرف على عامة الناس حتى يساويهم بغيرهم , وقد قال مشيرًا إلى ذلك: سأجود بالألقاب على معظم الرعية , حتى يصبح من العار أن يحمل الإنسان لقبًا , كما يصبح من العار عليهِ أن يكون بلا لقب. وقد اتفق في الأيام الأخيرة أن كاتب إدارة الزهور أردف في عنوانٍ كتبهُ اسم أحد أعيان البلاد بلقب بك فورد على الإدارة كتابٌ من الوجيه المذكور يطلب فيهِ استبدال البكوية بالأفندية رجوعًا إلى الحقيقة. ولعمري أنها لمأثرة تُذكر في هذه الأيام حيث أصبح منتحلو البكوية والبشوية لا يحصرهم عدٌّ.