ما أولعَ القلبَ بما يجتني ... وأفتنَ العَينَ بما تجتلي
أهفو لسُهدي , ليتَ لي مثلَهُ ... وليتني في لَيليَ الأَلْيَلِ
إِذْ أترثكُ الأَنجُمَ في أُفْقِها ... شوقًا إلى نبِراسيَ المُشعَلِ
وأُحكِمُ الكوَّةَ دونَ الصبّا ... وأُوصِدُ البابَ على الشَمألِ
وأعتلي كرسيَّ مستكبرًا ... كالمَلْكِ فوقَ العرش إِذ يعتلي
سيجارتي مشعَلةٌ في فمي ... والطرسُ محمولٌ على أنْمُلي
وقهوتي إِبريقُها مُتْرَعٌ ... إذا أنا أفرغتُهُ يمتلي
في حُجرةٍ كالقلبِ في ضيِقها ... لو حُمّلتْ غيريَ لم تحملِ
تَسمعُ منّي في سكونِ الدُّجى ... ما يَسمعُ الروضُ من البُلبلِ
لهُ يَطيبُ اللّبْثُ في عشّهِ ... ولي يطيبُ اللَّبثُ في منزِلي
إِنَّا اقتسمنا الليلَ ما بيننا ... لهُ الكرى في الليلِ والسهدُ لي
كُتْبي تُناجيني فتمشي بها ... عينايَ من شكلٍ إلى مشكلِ
ما بين أوراقٍ بها غَضَّةٍ ... وبينَ أوراقٍ بها ذُبَّلِ
يا خَلَواتِ الوحيِ في تيهِهِ ... ملأتِ قلبَ الشاعرِ المختلي
سوانحي منكِ وفيكِ انجلت ... فأنزِلي الآياتِ لي أنزِلي
يا طَيفَها , لا ترتجعْ معجَلًا ... لا تُقْنعُ الزّورةُ من مُعجَلِ
إِنيَ وحدي , حُجرتي مأمنٌ ... فا أْنَسْ إلى صّبَكَ , لا تُجفلِ
أُدنُ قليلًا , قد أطلتَ النوى ... جُدْ مرَّةً , باللهِ لا تبخُلِ
لو لم تكن تشتاقُني نفسُها ... يا طيفَها ما كُنتَ بالمُقبلِ
عيناكَ عيناها , كذا كانَتا ... والوجهُ ذاك الوجهُ , لم يُبدَلِ
أعرفُ لحظَيها برُغمِ النوى ... فكَمْ أصابا قبلَ ذا مقتلي
جسّي بهذا الكفِّ صدري ترَيْ ... ما فيهِ من نارِ جوىً موغلِ
أظلَّني همٌّ فلم أنتبهْ ... إلاَّ وقد أوغلتُ في المجهلِ
إِن كان هذا ما دعوهُ الهوى ... فمثلُ هذا الليلِ لا ينجلي
يا مهجتي , يا جَلَدِي , يا صبي ... إِن لم أمُتْ وجدًا فلا بُدَّ لي
نظرتُ إِليها نظرةً فتأثَّرتْ ... وبانَ على الخدَّين من نظرتي أثَرْ
ولمَّا تراَءى الوجدُ بيني وبينها ... مددتُ له سترًا من الرأيِ فاستترْ
وقد كِدتُ أنسى كَبرتي فادَّ كرتُها ... وراجعتُ نفسي أن يُراجِعَها الصِّغَرْ
تضنُّ بها النُعمى , وتبذلُها المُنى ... وتنأى بها السلوى , وتدنو بها الفِكَرْ
فيجذبُني وجدي , وتدفعني النُّهى ... ويُنهضُني شوقي , ويُقعدُني الكِبَرْ
أرى في دياراتِ الأحبَّةِ أوجُهًا ... فأطلبُ إِغضاءً , فيسبقُني النظرْ
ويُلمُّ بها يَشتارُ منها محاسنًا ... كذا النحلُ يشتارُ العسولَ من الزَّهَرْ
وكم ليَ في الألحاظِ سرًّا مُكتَّمًا ... ينمُّ عليهِ اثنانِ: شِعريَ والحوَرْ
مضى زمنُ اللهوِ الذي لستُ ساخطًا ... على ما مضى منهُ , وذا زمنُ الِعبَرْ
فأسكتَني ما أسكت الوُرقَ في الدُّجى ... وأنطقَني ما أنطقَ الوُرْقَ في السحَرْ
كِلانا لهُ , إِن ردَّد النوحَ , سامعٌ ... فتسمُعني كُتْبي ويسمعُها الشجَرْ
تمنَّت قلوبٌ أن أكونَ دخلتُها ... ولا غروَ , لكنْ آفةُ الوِرْدِ في الصَدَرْ
أنتِ والدَّهرُ
أسيَدتي , لا الدَّهرُ يُسعِفُ مطلبي ... ولا أنتِ , إِنّي حِرْتُ بينكما جدًّا
إِذا رمتُ شيئًا , جئْتماني بضدِّهِ ... لقد صِرْتِ لي ضِدًّا وقد صار لي ضدَّا