أم تَراها في الخوافي خَفِيَتْ ... أم مقرِّ الحولِ في بعضِ القُدامى؟
أم ذناباهُ إذا حرَّكَهُ ... يَزِنُ الجسمَ هبُوطًا وقِياما؟
أم بعينَيهِ إذا مَا جالتَا ... تكشفانِ الجوّ غيثًا أم جهاما؟
أم بأظفارٍ إذا شبَّكَها ... نفذت في الريحِ دفعًا واستلاما؟
أم أمدَّتهُ برُوحٍ أُمُّهُ ... يومَ ألقتْهُ وما جازَ الفطاما؟
فَتلقَّاهُ أبٌ كم من أبٍ ... دونهُ في الناسِ بالوُلْدِ اهتماما
فَلَكيٌّ هُوَ إِلاَّ أنَّهُ ... لم يَنَلْ فهمًا , ولم يُعطَ الكلاما
طِلْبةٌ قد رامَها آباؤُنا ... وابتغاها من رأَى الدّهرَ غُلاما
أسقَطَت ايكارَ في تجربةٍ ... وابنَ فرناسَ فما اسطاعا قياما
في سبيلِ المجدِ أودى نَفَرٌ ... شهداَء العلم أعلاهم مقاما
خلفاءُ الرُسْلِ في الأرضِ همُ ... يبعثُ اللهُ بهم عامًا فعاما
فطرةٌ من دَمِهم في مُلْكِهِ ... تملأُ المُلْكَ جَمالًا ونِظاما
رَبِّ , إنْ كانت لخيرٍ جُعِلتْ ... فاجعَلِ الخيرَ بناديها لزاما
وإِنِ اعتزَّ بها الشرُّ غدًا ... فتعالت تُمطِرُ الموتَ الزؤاما
فأملأِ الجوَّ عليها رَجَمًا ... رحمةً منكَ وعَدلًا وانتقاما
يا فرنسا لا عدِمنا مِنَنًا ... لكِ عندَ العلمِ والفنِّ جُساما
لطفَ اللهُ بباريسٍ ولاَ ... لَقِيتْ إلاَّ هناءً وسَلاما
روَّعت قلبي خُطوبٌ روَّعتْ ... سامِرَ الأحياءِ فيها والنِّياما
أنا لا أدعُوا على سَينٍ طغى ... إن للسّينِ وإِن جارَ ذِماما
لستُ بالناسي عليهِ عيشةً ... كانتِ الشهدَ , وأحبابًا كراما
آية العصر
في سماء مصر
نظمت على أثر قدوم فدرين وبونيه طائرين من باريس على مصر سنة 1914
يا فرنسا نلتِ أسبابِ السماءِ ... وتملَّكتِ مقاليدَ الجواءِ
غُلبَ النَّسرُ على دولتهِ ... وتنحَّى لكِ عن عرشِ الهواءِ
وأتتكِ الريحُ تمشي أمَةً ... لكِ يا بلقيسُ , من أوفى الإماءِ
رُضتَ بعد جَماحٍ , وجَرت ... طوعَ سلطانَينِ: علمٍ وذكاءِ
لكِ خيلٌ بجناحٍ أشَبهت ... خَيلَ جبريلَ لنصرِ الأنبياءِ
وبريدٌ يسحبُ الذيلَ على ... برُدٍ في البرِّ والبحرِ بِطاءِ
تطلعُ الشمسُ فيجري دونَها ... فوقَ عُنْقِ الريحِ أو مَتنِ العماءِ
رِحلةُ المشرقِ والمغربِ ما ... لبثت غيرَ صباحٍ ومساءِ
بسلاءُ الأنسِ والجنِّ فِدىً ... لفريقٍ من بنيكِ البُسَلاءِ
ضاقتِ الأرضُ بهم فاتَّخذوا ... في السَّمَواتِ قبورَ الشُهداءِ
فتيةٌ يمسون جيرانَ السُّها ... سُمراَء النجمِ في أوجِ العَلاءِ
حُوَّمًا فوق جبالٍ لم تكن ... للرياحِ الهوجِ يومًا بوطاءِ
لسليمانَ بساطٌ واحدٌ ... ولهم ألفُ بساطٍ في الفضاءِ
يركبونَ الشُّهْبَ والسُّحْبَ إلى ... رفعةِ الذكرِ وعلياءِ الثناءِ
يا نسورًا هبطُوا الوادي على ... سالفِ الحبّ , ومأثورِ الولاءِ
دارُكم مصرُ , وفيه قومُكم ... مرحبًا بالأقرَبينَ الكرَماءِ
طرتمُ فيها فطارت فَرَحًا ... بأعزّ الضيفِ خيرِ النُّزلاءِ
هل شجاكم في ثَرى أهرامِها ... ما أرقُتم من دموعِ ودِماءِ
أين نسرٌ قد تلقَّى قبلَكم ... عَِظِةَ الأجيالِ من أعلى بناءِ
لو شهدتم عَصرَهُ أضحى لهُ ... عالَمُ الأفلاكِ معقودَ اللِّواء