مات محمد العبد الأديب المعروف بشعره الطلي، وزجله اللطيف، المشهور بلونه الأبنوسي القاتم الذي كان يعد لون عنترة معه بياضًا ناصعًا، مات إمام، فكان لمنعاه رنة أسف وحزن، لأنه عاش بائسًا ومات بائسًا، وكان يلقب نفسه في حياته إمام البؤساء ورئيس حزبهم وقد تطوع في هذا الحزب الكثيرون من الأدباء واقروا له بالرئاسة والإمامة. وله ولهم في هذا الموضوع قصائد جميلة تناقلتها الصحف. نظم إمام في موضوعات كثيرة ولكن الفكرة السائدة في شعره هي الأنين والشكوى من الزمن. فقلما تطالع له بيتًا ولا ترى الدمع نافرًا من حروفه ولا تسمع الزفير متصاعدًا من تفاعيله. وكانت له طريقة في إنشاد الشعر تشبه الندب والرثاء. ولكنه كان مع ذلك خفيف الروح لطيف المعشر لا يمل جليسه له حديثًا، وله في الإشارة إلى لونه نوادر ونكات ظريفة منها جوابه المشهور لمن سأله عن امتناعه عن الزواج وهو ذلك البيت:
أنا ليلٌ وكلُّ حسناء شمسٌ ... فاجتماعي بها من المستحيل
لقيته يومًا وقد شدَّ عنقه بربطة حمراء فسألته عن السبب فقال: ليعرف الناس أين ينتهي جسمي وأين يبتدئ رأسي وكنت مارًا صباح يوم قرب البوستة فلقيت أمامًا في قهوة كان يكثر التردد إليها فقال: هل لك في سماع شيء من الشعر؟ - فقلت: هات - قال: أجببت أمس أن أحذو حذو زميلي وابن لوني عنترة العبسي فظمت أبياتًا في الحماسة. . وتلاها علي فإذا هي تهديد للأعداء وتغزل بالردينيات