أقصِرْ فؤادي! فما الذِّكرى بنافعةٍ ... ولا بشافعةٍ في رّدّ
سلا الفؤادُ الذي شاطرتَهُ زمنًا ... حُمْلَ الصَبابة , فاخفقْ وحدَك الآنا
هلاَّ أَخذتَ لهذا اليومِ أُهبتَهُ ... من قَبلِ أن تُصبح الأشواقُ أشجانا
لَهِفْي عليكَ قضيتَ العمرَ مقتحِمًا ... في الوصلِ نارًا وفي الهِجرانِ نيرانا
يا مَنْ أقامَ فُؤَادي إِذْ تملَّكَهُ ... ما بَينَ نارَين من شوقٍ ومن شَجَنِ
تفديك أَعينُ قومٍ حولَكَ ازدحَمتْ ... عَطشى إلى نهلةٍ من وجهِكَ الحسنِ
جرَّدتَ كلَّ مَليحٍ من مَلاحتهِ ... لم تَتَّقِ اللهَ في ظَبيٍ ولا غُصُن
فاستبقِ للبَدرِ بين الشُّهْب رتبتَهُ ... تملكْهُ في أوجهِ عبدًا بلا ثَمَنِ
أتُرى , أنتَ خاذِلي ساعةَ التو ... ديعِ يا قَلبُ في غَدٍ أم نصيري؟
ويكَ! قلْ لي متى أراكَ بجنبي ... راضيًا عن مكانِكَ المهجورِ؟
ساعةَ البين , قطعةٌ أنتِ قُدَّتْ ... للمُحبّينَ مِنْ عَذابِ السَعيرِ
لا تَحيني , روحي الفِداءُ لماحي ... كِ غدًا منْ صحيفةِ المقدورِ
يا ربِّ! أين تُرى تُقامُ جهنَّمٌ ... للظالمين غدًا وللأَشرارِ
لم يُبقِ عفوكَ في السماواتِ العُلى ... والأرضِ شبرًا خاليًا للنارِ
يا ربِّ! أهّلْني لفضلكَ واكفني ... شَطَطَ العقولِ وفتنةَ الأَفكارِ
ومُرِ الوجودَ يشفَّ عنكَ , لكي أرى ... غضَبَ اللَّطيفِ ورحمةَ الجبَّارِ
يا عالِمَ الأَسرارِ , حسبيَ محنةً ... عِلمي بأَنكَ عالِمُ الأَسرارِ
أخلِقْ برحمتِكَ التي تسَعُ الورى ... ألاَّ تَضيقَ بأعظمِ الأوزارِ
يا آسىَ الحيّ
يا آسيَ الحيّ هَلْ فَتَّشتَ في كَبدِي ... وهلْ تبيّنتَ داءً في زواياها
أوَّاهُ! من حُرَقٍ أودَتْ بمُعظَمِها ... ولم تَزلْ تتمشَّى في بقاياها
يا شوقُ , رِفقًا بأضلاعٍ عَصفتَ بها ... فالقلبُ يخفُقُ ذُعرًا في حناياها
إِذا خانَني خِلٌّ قديمٌ , عَقَّني ... وفوَّقتُ يومًا في مَقاتِلهِ سَهمي
تعرَّضَ طَيفُ الودِّ بيني وبينهُ ... فكسَّر سهمي , فانثنيتُ ولم أرمِ
تُمسي تُكّرُنا الشابَ وعهدَهُ ... حسناءُ مرهَفةُ القُوامِ , فَنذكرُ
هيَفاءُ أسكَرَها الجمالُ , وبعضُ ما ... أوفى على قدرِ الكفايةِ يُسكِرُ
تَثِبُ القلوبُ إلى الرؤوس إِذا بَدَتْ ... وتُطِلُّ من حَدَقِ العيونِ وتنظُرُ
وتبيتُ تكفرُ بالنحورِ قلائدٌ ... فإذا دنَت من نحرها تستغفِرُ
ويَزيدُ في فِمها الآلئُ قيمةً ... حتى يسودَ كبيرَهنَّ الأصغرُ
يا موتُ هأَنذا فَخُذْ ... مَا أبقَتِ الأيامُ منَي
بيني وبينَكَ خطوةٌ ... إِن تَخْطُها , فرَّجْتَ عنَي
سمع إسماعيل صبري باشا بيتي الشريف الرضي , وهما:
أرى بعد وردِ الماء في القلبِ غِلَّةً ... إليكِ , على أني من الماءِ ناقعُ
وإِني لأقوى ما أكونُ طماعةً ... إذا كذبتْ فيكِ المُنى والمطامعُ
فقال مجاراةً لهُ:
يا مَورِدًا , كنتُ أغنى ما أكونُ بهِ ... عن كلِّ صافٍ إذا ما بات يرويني
عندي لمائِكَ , والأقداحُ طوعَ يدي ... ملأى من الماءِ , شوقٌ كاد يُرديني