تتوقف على تعرُّف طبائع الحي الأمراض التي تفتك بهِ ودرس الوسائل النافعة , كذلك سياسة الاجتماع
الرادعة والواقية تتوقف على تعرّف طبائع الجناة ودرس الشرائع والنظامات الموافقة أيضًا. زكما أن الطب البشري لم يقُل كلمته الأخيرة في كل ذلك , كذلك الطب الاجتماعي لم يقل كلمته الأخيرة أيضًا. غير أنا إذا قابلنا بين الطبين نجد أن الطب البشري تقدم أكثر جدًا مما تقدم الطب الاجتماعي. فشفاء الأمراض صار أسهل مما كان في الماضي وصارت طبائعها معروفة أكثر كذلك. وإذا كانت صناعة الطب لم تتقدم كل التقدم المطلوب في شفاءِ الأمراض حتى الساعة , لكنها تقدمت كثيرًا في علم الوقاية منها. فإن علم حفظ الصحة يكاد يكون قد ألمَّ بكليات نواميس الأمراض وكيفية تولدها ووسائل منعها. وقد تمكن من حصر كثير منها. وفي بعض البلدان تمكن من منعها أصالة لأن الطب البشري سار مع العلم سيرًا حثيثًا وجنبًا لجنب. وإذا كان لم يتمكن من منعها بتاتًا فليس من نقص في علمهِ , بل من صعوبات أخرى تعترضهُ متأتية من نظامات الاجتماع نفسها. فالأمراض الوافدة التي كانت تنقضّ في الماضي على أوروبا وتفتك بمئات الألوف من سكانها في زمن قصير كوافدات الطاعون والجدري الأسود والهواء الأصفر والحمَّى التيفوئيدية نفسها حتى خانوق الأطفال المعروف بالدفثيريا قد قلَّت اليوم جدًا وزالت منها في بعض الأماكن طبيعتها الوافدة. فإذا كانت أكثر المدن الكبرى في هذه الجهات بلغت الغاية في النظافة بعد أن كانت