يطاردها الموت يدي حبيبها , فإن في هذه الدمعة ثواب آلامي , ويقظة الحقائق من أحلامي. وما زلت حائرًا في أمر مشتبه لا أُصيب الوجه
فيهِ فلا أدري إذا كانت هذه الدموع المتساقطة تنقضُّ من بناء الحياة لينهدّ , أو هي تضاف إليهِ ليشتدَّ , فإني أرى أقوامًا يحبون بالدموع وآخرين يموتون بها. ولعل عين الإنسان ملئت بالدموع من أصل الفطرة لتكون منها خنادق مستفيضة حول الروح فلا يقتحمها الفكر ولا يرى أبدًا إلاَّ ظاهرها ولولا ذلك ما بقيت الروح من أمر الله. أو لسنا نرى الذين يبكون كثيرًا يؤملون أن يدركوا من أسرار الروح كثيرًا إذ يرون تلك الخنادق قد أخذت تمجُّ ما فيها فكأنهم بالماء قد غِيض وكأنهم بالأمر قد قُضِي. ولكن الإنسان ليس إله نفسه فمتى انكشفت أرض الخنادق الروحية ظهرت فيها حفرة القبر وكانت آخر دمعة تجف منها هي دمعة الموت. بَيد أن الحقائق التي تهيئ للبائسين ذلك الأمل بكثرة ما تفيض أعينهم من الدمع هي في رأي الناس علم وفلسفة لأن الجهل في الإنسان لا حد له فكل ما ظفر بهِ عده حدًا علميًا. أولا ترى أن أجمل ما في الديانات والشرائع قد تحول إلى حجارة البيَع والصوامع والمساجد والأضرحة والمحاكم والسجون وكثير من مثلها حتى صارت هذه الأبنية تفهم الناس من ضروب المعاني أكثر مما تفهمهم الكتب السماوية في الأرض والأرضية في السماء. ما لي ولك أيها القمر لا أحب أن أُفيض عليك دمعتي فقد ترى فيها أشعة كثيرة من ألوان الأسرار المحتلفة. بل أنا أراها في قلبي وقد اشتمل بها الخيال الحزين. خيال هذا الأمل الذي يسميه الناس الحب وتسمية الطبيعة الحياة المعذبة لأن الناس قد مضوا على أن لا يعرفوا الحقيقة إلا بأوصافها ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل. أما باطن الحقيقة الذي يحتوي السرَّ المحزن فهذا يعرفهُ من يفهم لغة الطبيعة وما لغتها إلاَّ أفعالها. وأنت فإذا أردت