4 -الدرس والمطالعة
إن للدرس والمطالعة نفعًا كبيرًا: فإن الخلوة بالكتّاب تشرح الصدر وتحسن الحديث وتزيد القارئ علمًا وعرفانًا. وأيُّ شيءٍ أحبُّ إلى من هجر الدنيا ومن عليها من كتاب يجلس إليهِ؟ وأيُّ شيءٍ أنفع إلى رجلٍ يحبّ إذا ما فاه أن يفوه بالقول البليغ من كتاب يحسّن لفظه؟ وأيُّ شيء يعلم رجل الدنيا كيف يسير في الدنيا غير كتاب مفيد؟ وإنك لا تجدر رجلًا يدبر أُمور غيره وينظر بشؤون أمته ويأخذ على عاتقه عبئًا ثقيلًا , إلاَّ وهو على بيّنة من العلم , ونصيبه من المعرفة وافر. على أن لكل نافع ضرًّا. وليس ضرُّ العلم بناشئ منه. إنما يعاب صاحبه إذا لم يسلم من ثلاث: الإفراط فيهِ والإعجاب ومزج العلم بالعمل. فإن الإكثار من الدرس والمطالعة والعلم يورث الخمول. وأنك إن حاولت إظهار معرفتك في حديثك فقد عرَّضت نفسك للنقد واللوم. وأنك إن شئت أن تسير في عملك وفقًا لغرض علمك فأنك لا تستطيع. وليس الغرض من العلم أن يكون كل بضاعتك؛ إنما هو كالصقل لليماني , فإنه يشحذ القرائح ويخرج القوى الكامنة في النفس فتبدو كالأحجار الكريمة إذا أخرجها العامل من جوف الأرض أو قاع البحر وصقلها فبدت محاسنها وخفيت عيوبها. على أن العلم في حاجة إلى التدريب وليس يكفيك أن تكون ذا علم واسع أن لم تكن قد هذبتك الأيام وأمسيت لمعول الحوادث صفًا صلدًا. لأن العلم كالأسد الهصور لا تستطيع أسره إلاّ إذا كبلته بقيود من اختبار.