انتهى بها القول إن المعبود الأول للإنسان الأول كان يقتضي أن يكون في ثنايا الغيوم المتلبدة أو هي نفسها أما أنا فلم أكن من رأيه وكأني نظرت إلى الإنسان نظرًا أعرق في الحيوانية. فاعتبرتُ الإنسان الأول لاصقًا بأرضه يتخبط في ما أمامهُ متخوفًا من كل شيء إذ كان يجهل كل شيء فاتخذ معبودة الأول من أشيائها ولم يرتفع بصره إلى ما فوق إلاَّ بعد ذلك بكثير. واعتبرت حينئذ العبادة الفتيشية أول عبادات الإنسان وجعلتها في الغابات الكثيفة ذات الشأن في الميثولوجية القديمة وفي الأشجار الكبيرة المنفردة القائمة في العراء يُستظلُّ بها من الرمضاء كما تدل عليهِ بقايا ذلك فيهِ حتى اليوم. وهذا الحكم لم يقم بي اعتباطًا من دون تفكير سابق بل قام في نفسي على أثر زيارتي لمدينة بعلبك في سنة 1870 حين رجوعي من أنطاكية وكنت قد أرسلتُ إليها في بعثة من قبل المدرسة الكلية حين كنتُ أدرس الطب لإغاثة منكوبيها في الزلزال الذي نكبت بهِ تلك المدينة في تلك السنة. وكان رفيقي في هذا السفر ذهابًا وإيابًا أدورد فاندَيْك المعروف عند المصريين ابن الشهير كرنيليوس فاندَيْك صاحب الفضل الأكبر على سورية وسائر الأقطار العربية في نهضتها العلمية الحديثة. فلما وصلنا بعلبك بعد سفر أربعة عشر يومًا في مروج خصيبة يتعالى فيها الحشيش الطبيعي إلى إقامة الإنسان ولكن يد حكامها الطغاة أقحلتها وتركتها قفراء من السكان لم نشأ أن تقيم في المدينة وفضَّلنا أن نبيت ليلتنا في قلعة بعلبك نفسها وكان القمر بدرًا والسماء صافية فبين الآثار الكثيرة