لجنون هؤلاء العقلاء إذا كان لكل امرئ شعبة من الجنون. فلو رأيت ذلك المغرور , وَرِم أنفه , أن يكون أحد أولى منه بالحق أو أحق بالصوت فلجّ في العناد , وجنح إلى الباطل , وأصرّ واستكبر استكبارًا! ولو رأيته قد زيَّن له الغرور وسوّلت له نفسه الخبيثة أن يهتف بأحد هتفه مشؤمة أو يقوم فيه مقامًا مشهودًا فجعل يفتري الكذب ويصنع الباطل وينقض الحق ويحيل الصدق حتى يصف لك أفضل خلق الله فلا تراه في ألفاظه إلاّ غثًا باردًا سمجًا , وأكرم خلق الله فلا تعرفه إلاَّ كزًّا لئيمًا متوقحًا , وأعلم خلق اله فلا تصيبه إلاّ جاهلًا غبيًا فدْمًا , وأفصح خلق الله فلا تجده إلاّ عيًّا بكيئًا حصِرًا؛ وهذا لا يزال يجترئ على الله , ويمثل بخلقه هذا التمثيل , ويمسخ منهم هذا المسخ حتى لكأن الله إله المخلوقين وهذا المغرور إله الأخلاق , وكأن لله جلَّ شأنه قوة الخلق ولهذا الأحمق في معارضتها قوة الاختلاف. ولو قيل لي إن في أديب من الأدباء مائة فضيلة وفيه لغرور , لما صدّقت أن تكون فيه مع هذه الرذيلة فضيلة؛ فإن الغرور لا يكون إلاّ من سوء تقدير المرء لنفسه وتقدير نفسه للناس , وهما خصلتان لا غاية لهما إلاّ تجاّور غاية المدح وغاية الذم؛ وما أسرف امرء في مدح إلاّ كاذبًا ولا أفرط في ذمّ إلاَّ كاذبًا ومتى كانت مع الكذب فضيلة؟ ولولا هذا الغرور ما استنكف المخطئ أن يفيء إلى الصواب , والضال أن يثوب إلى الحق والجاهل أن ينزل إلى حيث يتعلم ,
والناقص أن يخرج إلى طلب الكمال من غيره وهذا كله تراه على أهوانه وأقله في عوام الناس وطغامهم