ويعزى ذلك الأمر إلى الرسميات التي يُعمل بها في تلك المملكة أكثر مما يُحافظ
عليها عند سواهم من الشعوب. وقد نظم فيكتور هوغو الشاعر الفرنساوي المشهور عقد رواية حسناء سماها روي بلاس أدار رحى الكلام فيها على قطب الرسميات , وما يتخللها من العادات التي يمحُّها الذوق السليم , دون أن يركب مركب المغالاة , أو يتمادى في المبالغ بهذا الموضوع. ولما كان بالشيءِ يذكر , نورد هنا نكتتين لطيفتين تأتيان مصداقًا لما نحن في صددهِ: أمر ملك اسبانيا في خالي الحين أن يقدّموا للملكة جيادًا من كرام الجياد الأندلسية لتختار منها فرسًا كريمًا. فانتقمت منها جوادًا مطهمًا وركبتهُ. ولم تكد تمتطي صهوتهُ حتى جعل يرفس , فهوت إلى الأرض وبقيت رجلها معلقة بالركاب. فأجفل الحصان جامحًا , وجرّ وراءَه الملكة. وكان ذلك الأمر في عرصة القصر والملك ينظر من الشرفة , والاضطراب والقنوط بالغان منهُ. وكان في العرصة عدد غير قليل من الخفراءِ ورجال البلاط ينظرون إلى الملكة ولا يجسرون على الدنو منها لتمليص رجلها من الركاب لأنهُ كان محظورًا على أيٍّ من الناس أن يمسّ شخص الملكة ولاسيما رجلها. وكان ثمت فارسان اسبانيوليان , فدفعتها الحمية إلى إنقاذ الملكة ولو سامهما ذلك الأمر إلى اقتحام غمرات الحمام. فقبض أحدهما على لجام الحصان وأوقفهُ , وملص الآخر رجل الملكة من الركاب. ثم أنهما برحا القصر لساعتهما مسرعين إلى منزلهما , وأسرجا جوادين , وتركا المدينة هاربين من غضب الملك. وفقد في اسبانيا أيضًا أحد الملوك حياتهُ بسبب تمسكه رجال بلاطهِ بالرسميات. وذلك أنهُ كان للملك فيليب الثالث موقد في غرفتهِ أضرمت فيه النار وارتفع لهيبها. فاندلع لسانها اندلاعًا كاد يحرق وجه الملك. وحدث أن الشخص الموكول إليه أمر العناية بتلك النار كان غائبًا. فلم يدر في خلد أحدٍ من الحضور في حضرة الملك أن يقوم مْقامهُ. وظن الملك أن كرومة مقامهِ تمنعُ الابتعاد عن تلك