فهرس الكتاب

الصفحة 1849 من 2201

أنتِ تعرفين تاريخ حبنا كلهُ وتقدرينه قدره من الاعتبار لأنهُ حبٌّ روحي كنا بكل جرأة نباهي بهِ ونفاخر. ولكني لا أعلم إذا كنتِ تعرفين كيف نبت هذا الحبّ ونما , فاعلمي يا أنيسة أنني أنا الذي كنت ضحية هذا الحب بلا ذنب. كنت يومًا أتنزه مع نسيبةٍ لي , فالتقينا اتفاقًا بأمينة تتنزه مع قريب لها , وكان بيني وبين تعارف سابق , وبينها وبين نسيبتي مثله , فتبادلنا التحيات واجتمعنا نتحدث في شؤون مختلفة , فما انتهت جلستنا حتى شعرت بأني نزلت من فؤاد أمينة منزلًا حسنًا. ثم تلاقينا فمدَّت إليَّ يد التوّدد , فمددت لها يد الترحاب , وكل منا يعجب بسجايا الآخر , وهكذا نما الحب واشتد وتمكن مني. لم أتعشقها من نظرة كما يقولون , ولا سعيت في جذب قلبها نحوي بالنصبي , وهي خالية الذهن مني , ولا سبقتها ببث الحب. بل لطالما عملتُ على إطفاء ما كان يتقد في نفسها من الشغف بي اتقاءً لمبادلتها هذا الوجد خشية أن تنقلب عليَّ يومًا , ويكون ولعي بها قد أزمن , فلا يبقى إلى الشفاء سبيل فأشقى وتسعد , وأتألم ولا تبالي؛ ولكنها كانت قادرةً , فلقحت دمي بمكروب هواها , وتركتني هازئة , ولسان حالها يقول: أشفَ أن قدرت. هل أقول أن مظاهرها تلك كانت تفننًا في اختلاب الألباب واستهواء العقول. إنكِ لا توافقيني على هذا القول , وأنا لا أجسر على الجزم بهِ. إنكِ تعرفين منها أنَّ حبها كان حقيقيًا كحقيقة وجودها , ولكن يمكنني الآن أن أكرر قولي لكِ - ولو ساءَك - أكرره ولا أقبل فيهِ جدالًا , ولا بضده اقتناعًا أن قلب المرأة سريع الميل سريع الانحراف. أن حبّ المرأة فجائي الحدوث فجائي الزوال ولعلها في هذا الخلق أسعد حظًا من الرجل , فلا تأسف على هناء ضاع ولا تذكر حبًا كان , في حين أن ثبات الرجل في حبٍ لا أمل له فيه ولا عزاء , إنما هو كل الشقاء. أن الراويات الموضوعة التي تمثل وفاء المرأة وخيانة الرجل في الحب , إنما هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت