وآهًا لك يا أيام الفرج والسرور ما لك تمضين كوميض البرق ما لك تمرين مر السحاب ولا تعودين.
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... دهرًا وردَّ من الهوى يومًا كفى
مضى شهر على عرسهما. رعيًا لكما أيها الزوجان المسيحيان أن الدين يأمركما فسافرا وودعا الأوطان والأهل والخلان. والوداع يا بريطانيا الحبيبة الوداع. مضى اليوم الأول والقلب راجف ولكن للأيام حدًا وللأسى نهاية فكما يفنى السرور هكذا تفنى الهموم. أما كانا يجددان العزم بحديث الحب وغضاضة الشباب، ألا يكفي الغرام لتبديد ما تلبد في أفق سماء
النفس من غيوم السآمة والكآبة. كانا يمشيان باحترام ويركعان أمام المعابد ويتصدقان على الفقراء. وإذا ما الشمس أحرقت بلظى أوارها ولهيب شعاعها أديم الأرض التجأا إلى ظل بعض الأشجار فأكلا الخبز تقشفًا وشربا الماء صرفًا وشكرا المولى ورب العباد. وكان الناس يرونهما ماشيين مطرقين والسبحة في أيديهما. على أن الحب فضاح فكان حنو نظرهما واضطراب قلبيهما يذيعان سرهما على الطريق ويهزان أفئدة الناس عطفًا عليهما. وإذا رآهما الشيوخ قالوا: حاجان يؤمان بين الله. أما الفتيات فيخلنهما عاشقين يتبادلان كلمات الصبابة والهيام. فلما اجتازا الوابور ووصلا إلى نيفير فاجأهما نبأ فشو الطاعون في تلك الضواحي وكان الموت يحصد بمنجله البتار كل من تقع يداه عليه، فقال لوتيك: بدار نهرب من هذه البلدة لئلا يصيبنا الداء. ولكنها لم تجب شيئًا بل اصفر وجهها واصطكت ركبتاها وارتجفت شفتاها ووقعت بين ذراعي زوجها وقالت: اهرب أنت وحدك يا حبيبي ودعني فإني مصابة، فقال لوتيك: ويلاه ماذا تقولين؟ لا تموتي بربك لا تدعيني وحدي. قلت كلا إني لا أقضي بل أنا ذاهبة لأعد لك مكانًا في جنة الخلد ودار البقاء فلا تجزع يا حبيبي إني أنتظرك. تحت عرش الله إلى الملتقى.
غدًا يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري عن دياركم بُعدا
تحمل يا قلب تحمل ولا تتفطر حزنًا وكمدًا. وضع جثتها في التابوت بعد أن زودها بقبلاته الحارة وأنشده لها بصوته الرخيم غناء الوداع الأخير وحفر لها جدثًا تحت ظل