منهم القريب، وانصرف عنهم الحبيب. . . . تابعت السير فإذا بأخشاب بالية وعظام نخرة فوقفت عندها بكل خشوع وإخبات، وتساءلت: لمن هي يا ترى؟
لو بعثرت للخلق أطباق الثرى ... هل يعرف المولى من العبد
فسقيًا لك يا موت، أنت تسوي بين الكبير والصغير، فهذه بقايا الرفيع والوضيع، ورفات الغني والفقير، فمن يقدر أن يجد بينها فرقًا.
إلى هنا مصيرك يا ابن آدم مهما علوت وارتفعت. فجهلًا تتباهى وحمقًا تتفاخر وتعتز. إن الراقدين هنا كانوا مثلنا يعبرون نهر هذه الحياة فتردد شواطئ النهر صدى أصواتهم وأغانيهم، وها أن الموت قد أغلق أفواههم وأخمد أنفاسهم. . . تراءت لهم الدنيا بمجدها وزخرفها، ومدت إليهم كأس ملذاتها، فمدوا يدهم لارتشاف هذه الكأس، فانكسرت على أقدامهم. وتجلت لهم الحياة بمظهر الغادة الحسناء فنظروا إليها نظرة العاشق الميتم، فإذا بها قد انقلبت شمطاء شنعاء ثم اضمحلت كالدخان.
وبينما أنا أسير بين القبور أستنطق مرمرها الناصع وأناجي الراقدين تحت حجارتها إذ خيل إلي أن هاتفًا يقول:
كما أنتم كذا كنا ... كما صرنا تصيرونا
وخلت أن شبحًا قد خرج من كل ضريح وهو يشير إلي بكفنه قائلًا:
قف واعتبر يا من ترى ... قبري وما بي قد جرى
بالأمس كنت نظيركم ... واليوم صرت كما ترى
قل: ربنا ألف بنا ... وارحم عظامًا في الثرى