لمحت صاحب المخزن فتركت القماش وهربت. فاتبعها الرجل بالبوليس فساقها إلى السجن توًا دون أن يسمع شكواها، وأحضرت أخيرًا أمام المحكمة الجنائية فكان ما دافعت به عن نفسها قولها أنها ابنة رجل متوسط الحال وأنها كانت تعيش برخاء، ولم
تعرف الشقاء ولا الجوع إلا بعد تغيب أبيها عنها لأنه كان قد مضى عليه مدة طويلة ولم يرجع إلى البيت. ولما لم يكن إلا والدها سندًا لها ولأخوتها الصغار عضهم الجوع وقرصهم البرد لطول غيبته عنهم. فأخذت هي تجول في أسواق المدينة علها تجد شيئًا تسد به رمق إخوتها ورمقها، فأعياها التعب والكلال ولم تر نفسها إلا داخل المخزن فدفعها ما كانت عليه من الجهد إلى أخذ بعض الأقمشة لتبيعها وتتقوت بثمنها. فحدث لها ما تقدم.
ولما كان غرض المحكمة بتجريمها ومعاقبتها إرهابًا وعبرة، رأى القضاة أن يشددوا في القصاص فعلقوها على خشبة في ساحة المدينة كأكبر المجرمين.
أهذا هو العدل وهل كان حكمهم عادلًا؟
إذا نظرنا إلى القانون المسنون في ذلك الحين نرى انه كان حقًا ولكن هل يعد القانون الذي يقضي قضاء كهذا قانونًا عادلًا؟ أو هل كان إعداد تلك الابنة إرهابًا للمجرمين والسارقين. كل العمر الحق بل قد جاء في الكتاب الذي أخذنا عنه هذه الحادثة أن تعدد السرقات لم ينقص بل ظل آخذًا بالازدياد. والعقاب لا نفع منه إلا إذا كان غرضه مساعدة الفرد الواحد وإصلاحه ففي إصلاح الفرد صلاح الأمة وفي تهذيب الشعب إصلاح الرؤساء والحكام.