عباد الله! من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، فاسمع بارك الله فيك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأوابين وسيد العابدين المتبتلين، لم تتخلف نفسه عن أغراض حياته العظمى قيد أنملة أو قيد شعرة، ولم يخلف موعده مع الله في عبادة ولا جهاد لا في ليل ولا في نهار، ولله در أمهات المؤمنين حين يصفن علو همته صلى الله عليه وسلم للصحابة، فتقول إحداهن: (وأيكم يطيق ما كان يطيق) ، وتقول الأخرى: (ما لكم وصلاته صلى الله عليه وسلم) ، همة عالية في كل مقامات الدين، فلقد كان صلى الله عليه وسلم سيد المجاهدين والعابدين والصابرين والصائمين والقائمين، كان أعلى الناس توكلًا، وأوفر الناس نصيبًا من الرضا والحمد والدعاء والشكر والتبتل، وأعلى الناس يقينًا، وكان أشجع الناس، وأرحم الناس، وأشد الناس حياء، وكان أحسن الناس خلقًا ومروءة وتواضعًا، ومن أكثر الناس مراقبة لربه تبارك وتعالى، ومن أعلى الناس خشوعًا، ومن أشد الناس عبادة لربه، وكان من أطول الناس صلاة، فعن حذيفة: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فكان يقول: الله أكبر -ثلاثًا- سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحوًا من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه من السجود فكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، ففي أربع ركعات قرأ البقرة والنساء وآل عمران والمائدة أو الأنعام) ، شك الراوي في ذلك.
يقول أبو هالة في وصفه صلى الله عليه وسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة) .
تقول عائشة رضي الله عنها: (قام ليلة بآية يرددها حتى الفجر وهو يبكي، وهي قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] ) .
يقول عبد الله بن الشخير: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل) .
قال له ربه: {قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:2] ، فانطلق يبلغ دعوة الله، وقال له ربه: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2] ، فقام حتى تفطرت قدماه، قال لـ عائشة ليلة: (دعيني أتعبد لربي، تقول: فقام يصلي وجعل يبكي حتى بل لحيته، ولا زال يبكي حتى بل الثراء تحته، فجاءه بلال ليعلمه بدخول وقت الصلاة فوجده يبكي، فقال له: تبكي بأبي أنت وأمي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: كيف لا أبكي يا بلال وقد تنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم تلا قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:190 - 194] ) .
كم مرت على مسامعنا مثل هذه الآيات؟ فهل وجدنا لها في قلوبنا أثرًا، أو في أنفسنا مكانًا؟ إنها آيات تصور العابدين في ليلهم ونهارهم وفي جميع أحوالهم، تصور خوفهم ورجاءهم وتفكرهم ودعاءهم.
لما علمت بأن قلبي فارغ ممن سواك ملأته بهواك وملأت كلي منك حتى لم أدع مني مكانًا خاليًا لسواك فالقلب فيك هيامه وغرامه والروح لا تنفك عن ذكراك والسمع لا يصغي إلى متكلم إلا إذ ما حدثوا بحلاك والطرف حيث أجيله متلفتًا في كل شيء يجتلي معناك