فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 882

كتب لي أحد التائبين قصة توبته ورجوعه إلى الله بعد ضياع ومعاناة استمرت سنوات، قال في سطوره وفي رسالته: لا أدري كيف أبدأ وكيف أعبر لك عن قصة الرجوع، أنا شاب أبلغ اليوم من العمر ستة وعشرين عامًا، أنا أكبر إخوتي وأسرتي فقيرة جدًا، أما أصحابي فلا يصلون ولا يصومون، حياتنا بكل صراحة سهر وخمر ومخدرات، سبع سنوات على هذه الحال حتى مللنا من هذا الضياع، فبدأنا بطريق آخر من طرق الضياع وبدأنا رحلة جديدة من رحلات الغفلة، اقترح أحدنا أن نسافر لبلاد الكفار بحثًا عن المتعة والتغيير، ففعلنا وليتنا لم نفعل، هناك تعلمنا فنون الزنا والخنا والنصب والاحتيال، كنا نمكث في سفراتنا أشهرًا طوالًا فإذا نفذت أموالنا اتصلنا على أهلنا ونحن في سكر شديد نطلب منهم أن يمدونا بالمال حتى نستطيع الرجوع، فإذا وصل المال مددنا فترة البقاء، وهكذا في كل مرة كان أحدنا يتصل على أهله للكذب والاحتيال.

في مرة من المرات استأجرنا سيارة وذهبنا إلى أحد نوادي الضياع حيث الخمر والموسيقى والرقص كالأنعام، بل حياة الأنعام أفضل من هذه الحياة، وبينما نحن جلوس نتبادل الحديث ونتبادل كئوس الخمر إذ قال أحد أصحابنا: سوف أذهب إلى مكان قريب وأرجع إليكم بسرعة.

فذهب وكان في حالة سكر شديد، مضت الساعات ولم يرجع، فخرجنا نبحث عنه وبعد بحث وجدناه وقد سقط وهوى بسيارته من مكان مرتفع ومات على أشنع حال! بكينا وحزنا على موته ورجعنا إلى ديارنا محملين بالأحزان، فما مضى شهران حتى عدنا إلى ما كنا عليه، يا ألله! كم هي قاسية قلوبنا، لم أكن أملك مالًا ولا دخلًا شهريًا، بل كنت أحتال وتحمل أهلي بسبب ذلك ديونًا كثيرة، بل كنت أقترض وأتحمل مصاريف السفر مع الأصحاب وأتحملها عنهم مع أنهم كانوا أكثر مني مالًا وأحسن حالًا، وكنت أظن أن هذا من الكرم والجود على الأصحاب والخلان.

تراكمت الديون علي وساءت الأحوال وبدأ يتخلى عني الأصحاب، أي أصحاب هؤلاء، أصبحوا يسافرون ولا يخبروني بسفرهم وأنا الذي تحملت الديون من أجلهم، اكتشفت حينها أنهم أصحاب مصلحة وضياع -قلت أنا: اكتشاف متأخر! - فصاحبت غيرهم ولم يكونوا بأحسن حال منهم، جمعت أموالًا وسافرت أنا وإياهم مع ابن عم لي مع مجموعة من الأصحاب إلى بلد آسيوي مشهور بالمجون وفساد الأخلاق، بعد يومين من وصولنا قال ابن عمي إنه سوف يرجع، فلما سألته عن السبب قال: لقد رأيت في المنام أن الناس في هذه البلاد يحترقون وقد اشتعلت بهم النيران، وأتاني رجل شديد البياض فقال: ارجع قبل أن تحترق معهم، فرجع ابن عمي ورجعت معه، فمكثت في البيت بلا مال وبلا أصحاب، وأصابني من الهم والحزن والضيق ما الله به عليم.

في يوم من الأيام حانت ساعة الانتقال فجاءتني أمي باكية وقالت: لماذا لا تصلي؟! لماذا لا ترجع إلى الله؟! وأعطتني شريطًا وأقسمت علي أن أسمعه، ثم ذهبت وتركتني.

فبدأت أسمع الشريط فأحسست أني أنا المخاطب، كان الشريط يتكلم عن اللذين يغرقون في الذنوب والمعاصي، كان الشريط يتكلم عن أثر الصحبة في الاستقامة وأثرهم في الضياع، أخذت أبكي وأبكي وأبكي فقررت التوبة ومراجعة الحسابات.

يقول صاحب الرسالة: أتعرف يا شيخ من هو صاحب الشريط؟ إنه أنت, وأنا أحبك حبًا شديدًا، وكان اسم الشريط: أحوال الغارقين، ثم أعطتني أمي شريطًا آخر اسمه: قوافل العائدين -قلت أنا: اللهم اجعلنا خيرًا مما يقولون- وأحسن مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون -يقول: ها أنذا أكتب لك الرسالة وأنا أبكي بكاءً شديدًا وأمي جالسة عندي تبكي معي وتدعو لك بالثبات حتى الممات وهي فرحة جدًا بتوبتي، يا شيخ! إن قصتي أكبر وأعظم من هذا، ولكني ذكرتها لك باختصار.

أما من أخباري الجديدة منذ أن بدأت الحياة الجديدة حياة التوبة والاستقامة، فأنا أنتقل من خير إلى خير، ومن نور إلى نور، لقد حصلت على وظيفة وأنا الذي كنت عاطلًا لسنوات، بل لست أملك شهادة كما يملك الغير، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

وأزيدك خبرًا من الأخبار ستفرح لي عندما أخبرك به: فزيادة على وظيفتي أنا الآن مؤذن في بيت من بيوت الله، أصدح بالأذان وأردد في اليوم مرات ومرات: الله أكبر ولا إله إلا الله، فادع لي بالثبات وإني والله لأدعو لأصحاب الماضي بالهداية والصلاح وأتمنى أن يعتبر بقصتي أولو الأبصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت