فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 882

عباد الله! وأما الأحاديث الواردة في ذكر الإسراء والمعراج فكثيرة يطول ذكرها، وأتمها حديث أنس عند مسلم وملخص تلك الروايات أنه صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل بالبراق -وهو دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، وليس له أجنحة كما يظن كثير من الجهال- فركبه حتى أتى بيت المقدس، فصلى به ركعتين، ثم عرج به إلى السماء، فالتقى بالأنبياء، التقى بآدم وعيسى ويحيى وإدريس، ورأى إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى، وإذا بورقها كآذان الفيلة، وثمارها كالقلال، فلما غشي السدرة ما غشَّى، هناك أوحى إليه ربه ما أوحى، فأمره بخمسين صلاة، -اسمع بارك الله فيك عظم قدر الصلاة حيث أنها شرعت في السماء- فلا يزال يأتي موسى فيرده إلى ربه: إسأل ربك التخفيف؟ حتى خفف الله على الأمة من خمسين إلى خمس صلوات، وهن بأجر خمسين فأين نحن من صلواتنا؟! ثم نزل صلى الله عليه وسلم بصحبة جبريل إلى بيت المقدس، فنزل الأنبياء يشيعونه، فصلى بهم صلاة الصبح بالمسجد الأقصى، ثم ركب البراق الذي تركه مربوطًا بحلقة الباب، وعاد إلى مكة في صبيحة تلك الليلة، وقد ذهب عنه كل كرب وغم وحزن، وعاد أكثر ثقة وطمأنينة، فقد رأى بأم عينيه ما كان تلقاه وحيًا، وليس من رأى كمن سمع.

وجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وهو لا يدري كيف سيقابل قريشًا بهذا النبأ العظيم، فما زال جالسًا حتى مر به أبو جهل، فسأله مستهزئًا: هل استفدت الليلة شيئًا يا محمد؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس.

قال أبو جهل: ثم أصبحت بين ظهرانينا! أسري بك في هذه الليلة ثم عدت من ليلتك؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم واثقًا: أن نعم، قال أبو جهل: أأخبر قومك بهذا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم واثقًا: نعم.

فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي! هلموا فأقبلوا علي، فحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فما بين مصدق ومكذب، وواضع يده على رأسه استعظامًا للخبر، وتعجبًا منه، ثبت من ثبت عن بينة، وارتد من ارتد عن بينة.

وجاء عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، لا يسألوني عن شيء إلا أخبرتهم به، وأخبرهم عن عير لهم، ومتى وصولها، وصدق في ذلك، ومع هذا ما زادهم إلا عنادًا وتكذيبًا) .

عباد الله! لقد كان الإسراء محنة قاسية للمؤمنين، واختبارًا لصلابة إيمانهم، وثباتهم على عقيدتهم، لم يكن للعرب عهد بمثل هذه الخوارق، ولا ألفت نفوسهم سماع مثل هذه المعجزات التي تخالف ما تعودته نفوسهم من المحسوسات والماديات، إنهم يذهبون شهرًا، ويعودون شهرًا في رحلة الشام، فكيف يذهب محمد ويرجع في ليلة واحدة؟ بل في جزء من الليلة، فأخذ الشك يتسرب حتى إلى نفوس المؤمنين، وإن خبر السماء لأهون على نفوسهم من ذلك؛ لأن الذي يأتي بخبر السماء ملك من أهل السماء، وأهل السماء يقدرون على ما لا يقدر عليه أهل الأرض، ولهذا قالوا: والله إن العير شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرًا مقبلة، أفيذهب محمد ويرجع في ليلة واحدة؟ لذلك قال أهل العلم: لم يكن الإسراء والمعراج مجرد خارقة من الخوارق أجراها الله لنبيه لتكون دليلًا على صدق ما ادعاه من النبوة، فإن صدقه صلى الله عليه وسلم قد ذاع قبل هذا، ولا يحتاج إلى دليل أو إلى غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت