الحمد لله العزيز القهار، مكور الليل على النهار، ينصر من يشاء ويعز من يشاء، يخلق ما يشاء ويختار، هو القائل جل في علاه: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:160] .
ذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة، حتى صار ينظر عيانًا إلى ما حدث هناك من قتال ضارٍ عنيف.
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان، ثم سكت ثم قال: ولقد رفعوا إلى في الجنة) يعني: القادة الثلاثة، ثم قال: (ولقد حمل الراية الآن سيف من سيوف الله، ولقد حمي الوطيس حتى فتح الله عليهم) .
اجتمعت المدينة حول نبيها تتابع أخبار المعركة حية على الهواء وحيًا، واليوم اجتمع المسلمون حول الشاشات والقنوات لمتابعة المسلسلات والمباريات حية على الهواء، فسبحان الله! فرق شاسع بين الأمس واليوم.
لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائدًا للجيش في تلك الساعات الحرجة اختيارًا موفقًا، فهو فارس شجاع وبطل مغوار، وداهية في القيادة العسكرية هجومًا ودفاعًا، ولقد أثبت خالد في ذلك اليوم تلك البطولات الفذة، حين قاد أول معركة بعد إسلامه.
لقد حمي الوطيس، وبدأت تتطاير الرءوس، وتتقطع الأعضاء والأشلاء، وتسيل الدماء في كل بقعة كالأنهار.
روى البخاري عن خالد رضي الله عنه أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.