يقول ابن القيم رحمه الله: ووالله ما أعظم الهمم وما أشد تفاوتها، فهمم معلقة بالعرش، وهمم تدور حول الحش.
جاءت مجموعة من الشباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كل منهم يطلب حاجته، هذا يريد شفاعة، وهذا يطلب مالًا، وهذا يريد قضاء حاجة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقضي حوائجهم، إلا واحدًا منهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أريدك في أمر بيني وبينك، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من قضاء حوائج هؤلاء الشباب التفت إلى صاحب الهمة العالية، فقال: وما شأنك أنت؟ قال: أنا لا أريد مالًا ولا أريد حاجة من حوائج الدنيا، أنا أريد طلبًا واحدًا، فقال صلى الله عليه وسلم: وما هو؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة -فدلّه على الطريق- فقال صلى الله عليه وسلم: أعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة).
إن الهمم هي التي تحرك الرجال، لاحظ الفرق بين فلان وفلان، لماذا يستطيع هذا أن يترك فراشه في البرد القارس والبرد الشديد وينطلق ملبيًا لنداء الله؟ ما الذي دفعه حتى ترك شهوته وفراشه مجيبًا نداء ربه تبارك وتعالى، في حين لم يستطع فلان أن يتحرك من مكانه وهو يسمع منادي الله ينادي: الصلاة خير من النوم! بل هو يعلم أن تخلفه عن الصلاة يجعله في عداد المنافقين.
ما الذي يجعل فلانًا من الناس لا يقبل على درهم حرام؟ ويجعل فلانًا آخر لا يبالي أمن حلال أم حرام يأكل؟ ما الذي دفع هذا وما الذي أوقع ذاك؟ ما الذي ردع هذا وجعل ذاك يقع في الحرام؟ إنها الهمم العالية التي لا ترضى بدون الجنة ثمنًا.
لذلك قال ابن الجوزي رحمه الله: إن العمر غال، فلا تقبل للعمر ثمنًا إلا الجنة الناس على نوعين لا ثالث لهما: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، يعرف هؤلاء كما يعرف أولئك، فالأفعال أبلغ أثرًا من الأقوال.
قال أحد المربيين لأحد أبنائه: إياك ثم إياك أن يكون همك المأكل والمشرب والمسكن والمنكح، فهذا هم النفس، فأين هم القلب، إن همك ما أهمك، فليكن همك الله والدار الآخرة.