ثبت زيد القائد العام، ثم استشهد بعد ستة أيام من القتال، بعد أن مزقته رماح الرومان وهو مقبل كالأسد الهصور، ثم استلم جعفر الراية فصار يقاتل وهو على فرس له شقراء، والمسلمون خلفه يقاتلون بضراوة واستماتة لا مثيل لها! ممتثلين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:45 - 46] ، وكانوا يقاتلون وهم يرددون قوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4] .
اقتحم جعفر صفوف الرومان، ولكثرة الزحام وشدة الالتحام نزل عن فرسه ثم عقرها استعدادًا للموت في سبيل الله، وقطعًا لباب الهروب من أرض المعركة، فكان أول من عقر خيله في الإسلام أثناء القتال، وبعد أن ترجل على أرض المعركة، أحاطت به الرومان من كل جهة وهو يقاتلهم قتالًا شديدًا، وراية الرسول صلى الله عليه وسلم في يده، وبينما هو كذلك تمكن أحد فرسان الرومان من قطع يده التي يحمل بها اللواء، فحملها باليد الثانية فقطعت، فأظهر القائد الشاب بطولة فذة لا مثيل لها، فبعد أن فقد كلتا يديه، احتضن اللواء بعضديه حفاظًا عليه ليظل مرفوعًا ولا يقع أرضًا، فتنهار لوقوعه معنويات المسلمين، فبقاء اللواء مرفوعًا ساعة القتال له أثر فعال في نفوس المحاربين من حيث الثبات والصمود.