يقول صاحبنا: كنت شابًا غافلًا عن الله، بعيدًا عنه، غارقًا في لجج المعاصي والآثام، فلما أراد الله لي الهداية قدر لي حادثًا أعادني إلى رشدي وإلى صوابي، قال تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11] ، وإليكم القصة: في يوم من الأيام وبعد أن قضينا أيامًا جميلة في نزهة عائلية في مدينة الدمام، انطلقت بسيارتي عبر الطريق السريع بين الدمام والرياض، ومعي أخواتي الثلاث، وبدلًا من أن أدعو بدعاء السفر المأثور استفزني الشيطان بصوته، وأجلب علينا بخيله ورجله، وزين لنا سماع لهو الحديث المحرم، لأظل ساهيًا غافلًا عن الله.
لم أكن حينئذٍ أحرص على سماع إذاعة القرآن الكريم، أو الأشرطة الإسلامية النافعة للمشائخ والعلماء، لأن الحق والباطل لا يجتمعان في مكان أبدًا، وكما قيل: حب القرآن وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان وكانت إحدى أخواتي كانت صالحة مؤمنة -نحسبها والله حسيبها- ذاكرة لله، وحافظة لحدوده، طلبت مني أن أسكت صوت الباطل، وأستمع إلى صوت الحق، ولكن أنى لي أن أستجيب؟! فقد استحوذ علي الشيطان، وملك علي جوارحي وفؤادي، فأخذتني العزة بالإثم، ورفضت طلبها، وقد شاركني في ذلك أختاي الأخريتان، وكررت أختي المؤمنة طلبها، فازددنا عنادًا، وإصرارًا وأخذنا نسخر منها.
فقلت لها: إن أعجبك الحال، وإلا أنزلتك على قارعة الطريق، فسكتت على مضض، وكرهت هذا العمل بقلبها بعد أن أنكرته بلسانها، وأدت ما عليها، والله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وفجأة وبقدر من الله سبق انفجرت إحدى عجلات السيارة، ونحن نسير بسرعة شديدة، فانحرفت السيارة عن الطريق، وهوت في منحدر جانبي، فأصبحت رأسًا على عقب، بعد أن انقلبت فينا عدة مرات، وأصبحنا في حال لا يعلمها إلا الله العلي العظيم.
فاجتمع الناس حول سيارتنا المنكوبة، وقام أهل الخير بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثر، ولكن ما الذي حدث؟! لقد خرجنا جميعًا سالمين إلا من بعض الإصابات البسيطة، ما عدا أختي الصالحة! أختي الصابرة! أختي الطيبة! لقد أصيبت إصابات بالغة، وماتت من حينها.
لقد ماتت أختي الحبيبة التي كنا نستهزئ بها، واختارها الله إلى جواره، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله عز وجل أن يرفع منزلتها ويعلي مكانتها في جنات النعيم.
وأما أنا فقد بكيت على نفسي قبل أن أبكي على أختي، وانكشف عني الغطاء فأبصرت حقيقة نفسي، وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وعلمت أن الله قد أراد بي خيرًا، فكتب لي عمرًا جديدًا لأبدأ حياة جديدة ملؤها الإيمان والعمل الصالح.
أما أختي الحبيبة فلا تكاد تغيب عن مخيلتي، ودائمًا أراها وأتخيلها وأدرك دموع الحزن والندم، وكم وجهت لي من النصائح! وكم دعت لي من الدعوات! لقد كان موتها سببًا لاستيقاظي وانتباهي من غفلتي.
أتذكر تلك الذنوب والمعاصي، وأتساءل في نفسي هل سيغفر الله لي؟ فأجد الجواب في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] .
فهذه نصيحتي للغافلين وللمدبرين والمعرضين عن الصراط المستقيم.
أقول: من لم تعلمه المواعظ، أدبته الحوادث، وأفيقوا من غفلتكم، وخذوا العبرة من غيركم، قبل أن تكونوا لغيركم عبرة، قال سبحانه: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر:17 - 18] ، وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:66 - 68] .