إن أشرف خصال تبلغ بالعبد منزلة الأخيار عشر خصال، إن طبقناها بلغنا بها منزلة الأخيار.
أولها: كثرة الصدقات، ثانيها: كثرة تلاوة القرآن؛ ليس من رمضان إلى رمضان، فقرآننا يشكو هجرًا إلا ممن رحم الله، قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30] .
ثالثها: كثرة الجلوس مع من يذكرك بالآخرة ويزهدك بالدنيا، وإن مجالسنا اليوم طابعها قيل وقال.
اشترط عمر بن عبد العزيز على جلسائه شروطًا ثلاثة، أولها: لا تتكلموا في الدنيا، ثانيها: لا تغتابوا أحدًا في مجلسي، ثالثها: لا تمزحوا في مجلسي أبدًا.
فكان حديثهم عن الآخرة: الموت، والحشر، ويوم القيامة، فقُلوبٌ هذا مدار حديثها ستكون قلوبًا حية.
فوالله ما قست القلوب وابتعدت إلا بالغيبة وكثرة كلامها عن الدنيا وما فيها.
فالصحابة تعودوا على كثرة الصدقة وكثرة تلاوة القرآن، ومجالسة الذين يذكرون الآخرة ويزهدون في الدنيا، وصلة الأرحام، وعيادة المريض، وقلة مخالطة الأغنياء الذين انشغلوا بالدنيا وما فيها.
قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:131] .
رابعها: كثرة التفكر فيما أنت صائر إليه غدًا الجنة أو النار.
جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم، قال: يا إبراهيم مسألة شغلتني بالليل والنهار، قال إبراهيم: اتركني لا تشغلني فإن عندي من المسائل ما الله به عليم، قال: يا إبراهيم ما الذي شغلك؟ قال إبراهيم: ثلاث مسائل شغلتني، الأولى: الله يقول: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:106] فأنا لا أدري إلى أي الفريقين أكون، ممن تبيض وجوههم أو ممن تسود وجوههم.
الثانية، قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود:105] وأنا لا أدري من الأشقياء أكون أم من السعداء، فهل فكرت أنت في العاقبة والمآل والمصير؟ الثالثة: الله يقول: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7] .
فهؤلاء الصالحون شغلتهم مثل هذه الأمور بالليل والنهار، فالكل يغدو ويروح، ويسعى لفكاك نفسه من عذاب النار والفوز بجنات النعيم.
أصبح النبي يومًا سائلًا أصحابه قبل أن ينتصف النهار، فقال: (من أصبح صائمًا اليوم، قال الصديق - ولو لم يسأل ما أجاب- أنا، قال: من تصدق بصدقة؟ قال: أنا، قال: من سار في جنازة؟ قال: أنا، قال: من عاد مريضًا؟ قال: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعت مثل هذه الأعمال في رجل إلا دخل الجنة) .
وهذه الأعمال سهلة، لكن الموفق من وفقه الله لفعل الطاعات، وصرف عنه الفواحش والمنكرات، فتفكر إلى أين المصير، وأين دارك غدًا؟ رابعها: قصر الأمل وكثرة ذكر الموت، فما ألهى الناس وصدهم عن الصدق مع الله إلا طول الأمل، ومن أطال الأمل أساء العمل، قال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ} [الحجر:3] .
وقال الشاعر: يا غافلًا عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل كان أحد الصالحين إذا أراد الخروج من المسجد بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ قال: أخاف ألا أرجع إليه مرة ثانية.
وآخر يقول: والله ما نمت نومة إلا ظننت أني لا أستيقظ بعدها، وأما نحن فعندنا مخططات لشهور بل لسنوات، سنفعل كذا وكذا، فالأحرى بنا أن نبني على يومنا الحاضر، أما غدًا فلا ندري ماذا سيكون فيه؟ خامسها: لزوم الصمت وقلة الكلام.
وما أودى بالناس وكبهم على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم.
فاللسان سلاح ذو حدين، إما أن يرفعك في الجنة درجات، وإما أن يحطك في النار على وجهك دركات.
وفي الحديث أن معاذًا (قال: يا رسول الله! أمآخذون بما نقول؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ، هل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستهن بالكلمة، قالت عائشة كلمة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (والله يا عائشة إنك قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لتغير طعمه) ، وذلك أنها قالت: صفية قصيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) فإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
وقال آخر: والله ما ندمت على السكوت أبدًا، ولكني ندمت على الكلام مرات كثيرة.
فالمسلم لا يندم على السكوت أبدًا، إلا إذا سكت عن أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فهذا شيطان أخرس.
سادسها: التواضع ولبس الدون، وحب الفقراء ومخالطتهم وحب اليتامى والمساكين والمسح على رءوسهم.