فصل [في التحاكم]
قال المصنف رحمه الله: (وإن تحاكمَ رجلان إلى رجلٍ يصلحُ للقضاء فحكَّماهُ بينَهُما فحكمَ نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلامه. ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذُ حكمُه إلا في المال خاصة) .
أما كون من تحاكم إليه رجلان فحكَّماهُ بينهما فَحَكم ينفذ حكمه؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حكمَ بين اثنين تراضيا به فلمْ يعدل بينهما فهو ملعون» [1] .
ولولا أنه ينفذ حكمه لما كان كذلك.
وأما كون حكمه ينفذ في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن عموم الحديث المذكور يشمل ذلك كله.
وفي نفاذ حكم من ذكر إشعار بجواز التحاكم في الجملة. وهو صحيح؛ لما ذكر من الحديث.
و «لأن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد بن ثابت» [2] ، و «حاكم عمرُ رجلًا إلى شريح قبل توليه القضاء» .
و «تحاكم عثمان وعبدالرحمن إلى جبير بن مطعم» [3] .
(1) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق ر. تلخيص الحبير 4: 185.
(2) عن الشعبي، قال: «كان بين عمر وأبي رضي الله عنه خصومة فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا. قال: فجعلا بينهما زيد بن ثابت. قال: فأتوه قال: فقال عمر رضي الله عنه: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتي الحكم. قال: فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه. قال: فقال: هذا أول جور جرت في حكمك أجلسني وخصمي مجلسًا. قال: فقصّا عليه القصة. قال: فقال زيد لأبي: اليمين على أمير المؤمنين فإن شئت أعفيته. قال: فأقسم عمر رضي الله عنه على ذلك. ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة» .
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 144 كتاب آداب القاضي، باب القاضي لا يحكم لنفسه.
(3) عن ابن أبي مليكة «أن عثمان ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضًا بالمدينة ناقلة بأرض له بالكوفة فلما تباينا ندم عثمان. ثم قال: بايعتك ما لم أره. فقال طلحة: إنما النظر لي إنما ابتعت مغيبًا وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت فجعلا بينهما حكمًا. فحكّما جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبًا» .
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5: 267 كتاب البيوع، باب من قال يجوز بيع العين الغائبة.