فهرس الكتاب
كلامه أن الحدسيات لا يحتاج فيها إلى العلم بدليلها ثم الانتقال من علم الدليل إلى علم المدلول الذي هو الحدسيات لأنها من البديهيات لا من النظريات بل يكفي في إدراكها التأمل في الطرف المتكرر الذي هو الحد الأوسط كما تقدم إيضاحه فالحد الأوسط في المثال المتقدم كون ارتفاع ماء الأنهار سببا في ارتفاع ماء الآبار لأنك تقول ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار وكل سبب في شيء يوجد معه مسببه ينتج من الشكل الأول ارتفاع ماء الأنهار يوجد معه مسببه أي وهو ارتفاع ماء الآبار وهو المطلوب فإذا التفت إلى هذا المطلوب بالحد الوسط الذي هو كون هذا سببا في هذا حصل لك المطلوب دفعة من غير تدريج وهو معنى كان الانتقال فيه دفعيا لا تدريجيا واللّه تعالى أعلم. وقال بعضهم هو كل قضية يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها بناء على محسوسات أخرى لا يحتاج العقل في ترتيب هذه عليها إلى نظر واستدلال وهو راجع لما ذكرنا.
النوع الثاني من نوعي البديهي الخفي هو البديهي المتواتر وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع استنادا إلى أخبار جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة كقولك مدينة بغداد موجودة ودمشق موجودة وحقيقة التواتر وشروطه كل ذلك مبين في علوم الحديث وعلم الأصول فهذه الأقسام الستة هي أقسام التصديق البديهي الأربعة الأول منها من البديهي الجلي والأخيران من البديهي الخفي كما رأيت إيضاحه وهذه البديهيات الست تعرف باليقينيات ومذهب الأخضري وابن الحاجب ومن وافقهما أنها ست ولكن حذفوا منها النوع الفطري وجعلوا الحسي نوعين ما يدرك منه بالحواس الظاهرة جعلوه قسما مستقلا وسموه المحسوسات وما يدرك بالحواس الباطنة جعلوه قسما آخر مستقلا وسموه بالمشاهدات والوجدانيات وعلى ذلك درج الأخضري في سلمه في قوله:
أجلها البرهان ما ألف من …مقدمات باليقين تقترن
من أوليات مشاهدات ……مجربات متواترات