فاعلم أيها الخلفي أن هذا التشبيه الذي جئت به في الاستيلاء الذي زعمت والبيت الذي استدللت به إنك به أنت أعظم المشبهين نصيبا في التشبيه لصفات الخالق بصفات خلقه وبأي دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل سوغت لنفسك أن تشبه استيلاء اللّه على عرشه الذي زعمت باستيلاء بشر بن مروان على العراق. ثم اعلم أيها الخلفي أن الاستيلاء الذي جئت به من تلقاء نفسك من غير اعتماد على وحي سماوي أنه أشد الصفات توغلا في التشبيه لأن فيه تشبيهه تعالى في استيلائه على عرشه بكل مخلوق قهر مخلوقا فغلبه واستولى عليه وهذا يستلزم من أنواع التشبيه بحورا لا سواحل لها ولا شك أنك ستضطر أيها الخلفي إلى أن تقول هذا الاستيلاء الذي فسرت به استواء منزه عن مشابهة استيلاء المخلوقين. ونحن نسألك ونطلب منك الجواب بالحق الخالي من التعصبات التي تعمي العقلاء وتصمهم أيهما أحق بالتنزيه عن مشابهة صفات الخلق الاستواء الذي أثنى اللّه به على نفسه في سبع آيات من كتابه وأنزل به الروح الأمين على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قرآنا يتلى متعبدا بلفظه كل حرف منه عشر حسنات لقارئه ويقرأ به في الصلاة ومن أنكر أنه من القرآن كفر بإجماع المسلمين، أم الأحق بالتنزيه عن مشابهة صفات المخلوقين هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء أنفسكم من غير أن يدل عليه كتاب ولا سنة البتة بوجه من الوجوه والظاهر أنك ستضطر إلى أن تقول إن كلام رب العالمين أحق بالتنزيه من كلام جاء به ناس من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى دليل من نقل ولا عقل إلا إذا كنت مكابرا والمكابر لا داعي للكلام معه.
وهذا الذي ذكرنا في الاستواء جار في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة كما قدمنا أن إيضاح مثال واحد منها كاف في إيضاح الجميع.
{قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ}